أشار بالإيمان بالله إلى الإيمان بالمبدأ الأول ، وباليوم الآخر إلى الإيمان بالمعاد ، وأشار بصلة الرحم إلى صلة الأرحام القريبة ؛ كالعقل الأول ، وما يليه ، كما يقتضيه الإيمان بالمبدأ ، وإلى صلة الأرحام البعيدة ؛ كالطبائع والعناصر والمواليد ، كما يستدعيه الإيمان بالمعاد ؛ لأنه كما أن الله تعالى هو الأول ؛ فكذا التجلّي الأول الذي هو العقل الأول.
فليس كمثله شيء ؛ لأنه أول المخترعات التي توجهت إليها الأسماء الإلهية من كمون الغيب ، فأبرزها في مبرز الشهادة ؛ وهي الشهادة المطلقة الأولى التي تلي غيب العلم ، وغيب الأسماء ، وغيب الذات ، وأيضا كما أن المعاد هو الأخر ، فكذا التجلّي الثاني الذي ينتهي إلى المواليد ، وإلى الإنسان.
فالإنسان من حيث إنه العقل الأول ، وأول التجليّات الغيبية ؛ هو المبدأ الأول الظاهر فيه سر الأولية الأولى ، ومن حيث إنه الإنسان ، والبشر ، وآخر التجليّات الشهادية ؛ هو الآخر الظاهر فيه سر الأخروية الثانية ، فله حقيقة غيبية ، وصورة شهادية.
والكل من الأول إلى الآخر مراتبه وأطواره ، فهو عين نفسه من حيث أحديته ، وغير نفسه من حيث تكثّره في مراتب نزوله ، واسترساله ، فتلك الكثرة إن كانت كثرة روحانية ؛ فهي أقاربه القريبة ، وإن كانت جسمانية ؛ فهي أقاربه البعيدة لا الأجانب ، فإن سلسلة الكائنات متصلة به ، إمّا قريبا ، وإمّا بعيدا ، فليس شيء منها يكون أجنبيا عنها.
فلا بد للإنسان من صلة تلك الأقارب مطلقا ، وصلتها إعطاؤها حقها ؛ وهي الأمانة التي عنده المأخوذة منها حين مروره عليها ، فإذا أعطى كل واحد منها حقه بأن يتجرّد من ملابسها ؛ فقد وصلها ؛ وهو التحليل الذي لا بد منه في السير عروجا ، ثم إن تلك الحقوق تعود إليه حين يتلبّس بها حالة البقاء ؛ وهو التعقيد الذي لا بد منه أيضا في السير نزلا.
فقد أخذ الله منه في السير الأول ؛ لتجريده عن الملابس ، والغواشي الكونية ، وأخذ هو من الله في السير الثاني ؛ لإلباس الذات الأكسية الحقّانية التي لا تبلى أبدا ؛
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
