__________________
ـ لأنه بعد الفتح يتدلى المريد بنفسه إلى العوالم فيكشفها ويشاهد ما فيها بالحق ، فعلى هذا يكون للشيخ أثر في الفتح ، وإن كان الفاتح حقيقة هو الله تعالى ؛ لأنه [كالبدر] والدليل حيث يقول له : اسلك هذه الجهة فهي أقرب لك ، ويدل على أن طريق الاختصار أحسن ما وقع لأبي يزيد البسطامي قدسسره لما وقف على العابدين فلم ير له قدما معهم ، وكذلك وقف مع المجاهدين والزاهدين والصابرين والمتوكلين وسائر المقامات فلم ير لنفسه مع كلّ منهم قدما ، فقال : يا رب كيف الطريق إليك؟ ، فقال له تعالى : يا أبا يزيد اترك نفسك أي : حظوظ نفسك في الدنيا والآخرة ، فالله تعالى اختصر له الطريق بأخصر كلمة وألطفها ؛ لأن من يترك حظ نفسه يقوم معه ربه.
ومن صفات الشيخ أن يكون متخلقا بأخلاق الله ، كما قال الشيخ رضي الله عنه : (لا يصلح من يربي الخلق ، إلا من كانت صفته من صفة الحق) أي : لا يصلح لتربية الخلق ، ولا يليق بها كل من يريد تربية الخلق إلا الرجل الذي كانت صفة ذلك الرجل من صفة الحق بأن يأخذ من كل صفة من صفات الله تعالى خطا يليق به ، كما وقع الأمر من النبي صلىاللهعليهوسلم إلينا بقوله : «تخلقوا بأخلاق الله تعالى»
أي : المرضية الكمالية ، وهذا التخلق لا يكون إلا بعد التخلق بأخلاق الرسول صلىاللهعليهوسلم على ما ورد أيضا : «تخلقوا بأخلاق الرسول».
فالشيخ لا يصلح للتربية ولا مربيا للمريدين إلا إذا كان متخلقا بأخلاق الرسول وأخلاق الله تعالى ، أو المراد من كون صفة العبد صفة الحق أن يصير الحق تعالى عين قوى العبد الباطنة ، وجوارحه الظاهرة.
وقال قدسسره : [الشيخ من أزال عنك كل حجبك] أي : شيخك أيها السالك الطالب للسلوك والمرشد المسلك لك في الطريق إلى الحق تعالى هو الذي أزال عنك ويرفع لك ما يحجبك عن الله والوصول إليه والاشتغال به ، وهذه الإزالة لا تكون إلا بالله ؛ لأنه لا يوصل إلى الله إلا الله لكن الشيخ لما كان بالله يوصل المريد إلى الله بإذن الله من الله ، فعطف (الشيخ) رضي الله عنه على الجملة المذكورة قوله : [واستأذن الحق لقربك] عطف السبب على المسبب فإن استئذان الحق سبب لإزالة المحجب عن المريد ، وفيه أن السبب هو إذن الحق للشيخ بالإيصال للمريد لا استئذان الشيخ من الحق لإيصال المريد ، وأجيب بأن الاستئذان سبب الإذن وسبب السبب سبب ، فالشيخ المسلك للمريد يزيل الحجب عنه ويرفع الغطاء عن بصره وبصيرته بسبب أنه يستأذن من الحق تعالى ؛ لأن يقربه إليه تعالى برفع الحجب والأستار ، فالحق تعالى يأذن للشيخ في قربه إليه تعالى ، وإذن الحق في قرب المريد إذن للشيخ في إزالة الحجب عن المريد ، وكذا استئذان الشيخ الحق لقرب المريد استئذان الحق لرفع الحجب عنه فلا إشكال ، فحاصل الكلام أن الموصل لا يكون إلا الحق أو من يكون بالحق ، فالشيخ يجب أن يكون بالحق ،
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
