تشعبت الراحات في الآخرة ، وقد خلق الله الجنان على طبقات مختلفة ؛ مراعاة لمقامات أهاليها ، ومحافظة على أحوال ساكنيها ، فيا أعظم سعادة للأعالي ، ويا أفضل سيادة للموالي ، فمن تحرّكت نفسه ؛ فلتتحرك إلى المعالي ، فإن تلك الحركة من علو الهمة لا كامل الأهالي ، والله العالي ، وإليه رجوعي في مصعدي ، وعليه اتّكالي.
ثم لمّا كانت حال الآخرة على طبق حال الدنيا في بعض الصور ؛ كالشفاعة كالترقيات الجليّة ، والعفو عن الجرائم العظيمة ؛ كان من خصّ الشفاعة النبوية في الآخرة بالترقيات ، وزيادة الثوبات ؛ جاهلا عن أسرار التنزّلات والمنازلات ؛ فقد يصعد العبد إلى ربه ، وقد ينزل الرب إلى عبده.
وقد قال : «ألا تحبون أن يغفر الله لكم» (١) ، فقد علّق مغفرته لمغفرة الناس بعضهم لبعض ، وقد كانت الأسماء الجمالية أقتضت سعادات العباد دنيا وآخرة ، فمن سعادة وقعت في الدنيا بالشفاعة العظمى ، ومن سعادة وقعت في الآخرة بها ، وآخر الشفعاء أرحم الراحمين ولا يعرفه إلا الكبراء من العارفين المحققين.
٣٠ ـ في الحديث : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون بالروحاء» (٢) :
الروحاء : موضع بينه وبين المدينة المنورة ستة وثلاثون ميلا على أن يكون كل ميلين منها ساعة نجومية ؛ فيكون المجموعة من الأميال ثماني عشرة ساعة ؛ هي مدة السفر عند الإمام أبي حنيفة رحمهالله ، يعني : إن الشيطان المأخوذ من البعد إذا سمع الآذان بالمدينة أبعد إلى مدة السفر ؛ ليستريح من الألم كما دلّ عليه لفظ الروحاء.
وفيه إشارة إلى من خرج عن مجلس العلم ، ولو خطوة ؛ فإنه كمن سافر منه إلى مدة السفر ، إذ لم يخرج إلا لراحته الطبيعية ، وبين الراحة الطبيعية ، والراحة القلبية بون بعيد ، فسحقا لأصحاب السعير ، وبعدا للقوم الظالمين ؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بالبعد عن مجلس العلم ؛ فأبعدهم الله تعالى عن المعلوم الحقيقي الذي هو ذاته تعالى ،
__________________
(١) رواه البخاري (٢ / ٩٤٥) ، ومسلم (٤ / ٢١٣٦).
(٢) رواه أحمد (٣ / ٣١٦) ، والبيهقي في الكبرى (١ / ٤٣٢).
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
