وكانوا من أصحاب السعير ، إذ الجزاء من جنس العمل.
وذلك إنهم خرجوا عن مجلس العلم ؛ ليبرّدوا حراراتهم الطبيعية بالمأكولات والمشروبات ، وبكلام الدنيا والمساوئ ؛ فأدخلهم الله تعالى في سعير أشدّ من نارهم المسعورة في بواطنهم ؛ لأنها تطّلع على الأفئدة ، والأفئدة هي قوام الأجساد ، فإذا احترقت ؛ احترقت الأجساد كلها.
فعلم من هذا التقرير : إن الشيطان مظهر البعد ، فكل من كان مظهر البعد ؛ فهو شيطان أضلّه الله تعالى على قرب منه وعلم ، فإن المحجوب الجاهل لا يرى إلا ما سواه تعالى ، ولا يعرف إلا الأغيار ، عصمنا الله وإياكم من نار البعد ، والقطيعة ، وعذاب السعير.
وإنما خصّصنا مجلس العلم بالإشارة ؛ لأن نداءه أعم من النداء الحسي والمعنوي.
أمّا النداء الحسي : فكالدعوة إلى مرتبة الشريعة ، وآثارها آثار حسّية جنائية ؛ هي نعيم حسّي من مأكول ، ومشروب ، ومنكوح حسّي ، وفيه يدخل الآذان ، والدعوة الصلواتية.
وأمّا النداء المعنوي : فكالإرشاد إلى مرتبة الحقيقة ، وآثارها آثار معنوية رحمانية روحانية ؛ هي نعيم باطني من مأكول ، ومشروب ، ومنكوح حقيقي دلّ عليه قوله صلىاللهعليهوسلم «إنكم مثلي إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» (١).
٣١ ـ في المتفق بين الصحيحين : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير عشر مرات ؛ كان كمن اعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» (٢) :
المراد بالوحدة المطلقة التي هي مبدأ نفي الشركة لا الوحدة المقابلة للكثرة (٣) :
__________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه البخاري (٥ / ٢٣٥١) ، ومسلم (٤ / ٢٠٧١).
(٣) قال السيد مصطفى البكري : وأمّا قول أهل الحق القائلين بوحدة الوجود على الوجه الأحق ، فإذا قالوا : ما في الوجود إلا الله مثلا فمرادهم من حيث القيومية فإن به تعالى قيام كل شيء وهو
![مرآة الحقائق [ ج ٢ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4233_merato-alhaqaiq-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
