وبالجملة : فتتبّع كلماتهم يوجب الظنّ القوي بل القطع بأنّ بنائهم على الأخذ بكلّ ما يشتمل على ما يوجب أقربيّته إلى الصواب ، سواء كان لأمر راجع إلى نفسه أو لاحتفافه بأمارة أجنبيّة توجب قوّة مضمونها. ثمّ لو فرض عدم حصول القطع من هذه الكلمات بمرجّحيّة مطلق الظنّ المطابق لمضمون أحد الخبرين ، فلا أقلّ من كونه مظنونا ، والظاهر وجوب العمل به في مقابل التخيير وإن لم يجب العمل به في مقابل الاصول ، وسيجيء بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
الثالث : ما يظهر من بعض الأخبار من أنّ المناط في الترجيح كون أحد الخبرين أقرب مطابقة للواقع ، سواء كان لمرجّح داخليّ كالأعدليّة مثلا أو لمرجّح خارجي كمطابقته لأمارة توجب كون مضمونه أقرب إلى الواقع من مضمون الآخر : فمنها : ما دلّ على الترجيح بالأصدقيّة في الحديث كما في مقبولة ابن حنظلة ، فإنّا نعلم (١٠٧٦) أنّ وجه الترجيح بهذه الصفة ليس إلّا كون خبر الموصوف بها أقرب إلى الواقع من خبر غير الموصوف بها ، لا لمجرّد كون راوي أحدهما أصدق ، وليس هذه الصفة مثل الأعدليّة (١٠٧٧) وشبهها في احتمال كون العبرة بالظنّ
______________________________________________________
الناقل بأنّ حمل الخبر على ما لا يستفاد إلّا من الشرع أولى من حمله على ما يستفاد من العقل أيضا ، لكون التأسيس أولى من التأكيد ، وتقديم المقرّر بأنّ المخالف للأصل يستفاد منه ما لا يستفاد إلّا منه ، والموافق له حكمه معلوم من العقل ، فكان أولى. ويستفاد من هذا الخلاف كون الترجيح بأقربيّة مضمون أحدهما إلى الواقع مفروغا منه فيما بينهم ، وأنّ خلافهم في تقديم الناقل أو المقرّر إنّما هو لأجل توهّم كلّ من أرباب القولين أقربيّة مضمون أحدهما إلى الواقع.
١٠٧٦. حاصله : أنّ الأصدقيّة وإن كانت من المرجّحات الداخلة المجمع على جواز الترجيح بها ، إلّا أنّ مناط اعتبار الشارع لها من المرجّحات يفيد جواز الترجيح بكلّ ما أفاد أقربيّة مضمون أحد الخبرين إلى الواقع من الآخر.
١٠٧٧. إذ يحتمل أن يكون الشارع قد جعل للعادل مرتبة لأجل عدالته ، فأمر بالأخذ بخبره وإن احتملت مخالفته للواقع ، حفظا لانتهاك حرمته بين الأنام ،
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
