الاصوليّة التي لم يثبت التكليف بمعرفتها ، لكن ظاهر كلمات كثير عدم العمل بها في ذلك. ولعلّ الوجه في ذلك (١٠٠٢) أنّ وجوب التديّن المذكور إنّما هو من آثار العلم بالمسألة الاصوليّة لا من آثار نفسها ، واعتبار الظنّ مطلقا أو الظنّ الخاصّ ـ سواء كان من الظواهر أو غيرها ـ معناه : ترتيب الآثار المتفرّعة على نفس الأمر المظنون لا على العلم به.
______________________________________________________
وأمّا دليل العقل ـ أعني : دليل الانسداد ـ فإنّه مبنيّ على مقدّمتين منتفيتين في المقام ، إحداهما : ثبوت التكليف بالواقع ، وهو ـ كما ذكره المصنّف رحمهالله ـ منتف في المقام ، إذ الفرض عدم ثبوت التكليف بالواقع إلّا بعد العلم به ، ولذا لا يجب تحصيل العلم به وإن تمكّن منه. وثانيتهما : بقاء التكليف مع تعذّر العلم ، لاحتمال اشتراطه بإمكانه.
١٠٠٢. لا يخفى أنّه على تقدير كون وجوب التديّن من آثار الاعتقاد دون نفس المسائل المثبتة في الواقع ، يكون المطلوب عند الشارع والمحبوب عنده هو نفس الاعتقاد ، ويترتّب عليه وجوب التديّن ، وحينئذ يكون وجوب التديّن متأخّرا عن حصول الاعتقاد. وعلى تقدير كونه من آثار نفس المسائل المثبتة في الواقع وإن كان تنجّزه متوقّفا على العلم ، يكون المحبوب عند الشارع أوّلا وبالذات هو التديّن والالتزام بما في الواقع مقدّما وجوبه على العلم ، غاية الأمر أنّه إن حصل العلم به تنجّز التكليف به وإلّا كان وجوبه شأنيّا.
ثمّ إنّ إطلاق كون وجوب التديّن من آثار الاعتقاد دون نفس المسائل المثبتة في الواقع ، كما هو مقتضى إطلاق الأكثر ، لعدم جواز العمل بالظنّ في اصول الدين ، لا يخلو من تأمّل. نعم ، هذا إنّما يتمّ في المسائل التي كان تعلّق التكليف بها على تقدير حصول العلم كما فيما نحن فيه ، وأمّا فيما كان تنجّز التكليف فيه غير مشروط بحصول العلم فالعلم فيه مقدّمة وجوديّة للتدين ، يجب تحصيله من باب مقدّمة الواجب المطلق. نعم ، يكون وجوب التديّن فيها معلّقا على التمكّن من تحصيل العلم لا على وجوده.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
