وفيه : أنّه إذا التزم باقتضاء مقدّمات الانسداد مع فرض عدم المرجّح العمل بمطلق الظنّ في الفروع ، دخل الظنّ المشكوك الاعتبار وموهومه ، فلا مورد للترجيح والتعيين حتّى يعيّن بمطلق الظنّ ؛ لأنّ الحاجة إلى التعيين بمطلق الظنّ فرع عدم العمل بمطلق الظنّ. وبعبارة اخرى : إمّا أن يكون مطلق الظنّ حجّة وإمّا لا ، فعلى الأوّل لا مورد للتعيين والترجيح ، وعلى الثاني لا يجوز الترجيح بمطلق الظنّ ؛ فالترجيح بمطلق الظنّ ساقط على كلّ تقدير. وليس للمعترض القلب بأنّه إن ثبت حجّية مطلق الظنّ تعيّن ترجيح مظنون الاعتبار به ؛ إذ على تقدير ثبوت حجّية مطلق الظنّ لا يتعقّل ترجيح حتّى يتعيّن الترجيح بمطلق الظنّ.
ثمّ إنّ لهذا المعترض كلاما في ترجيح مظنون الاعتبار بمطلق الظنّ ـ لا من حيث حجّية مطلق الظنّ حتّى يقال : إنّ بعد ثبوتها لا مورد للترجيح ـ لا بأس بالإشارة إليه وإلى ما وقع من الخلط والغفلة منه في المراد بالترجيح هنا. فقال معترضا على القائل بما قدّمنا ـ من أنّ ترجيح أحد المحتملين عين تعيينه بالاستدلال ـ بقوله : إنّ هذا القائل خلط بين ترجيح الشيء وتعيينه ولم يعرف الفرق بينهما ، ولبيان هذا المطلب نقدّم مقدّمة ، ثمّ نجيب عن كلامه ، وهي أنّه لا ريب في بطلان الترجيح بلا مرجّح ، فإنّه ممّا يحكم بقبحه العقل والعرف والعادة ، بل يقولون بامتناعه الذاتي كالترجّح بلا مرجّح ، والمراد بالترجيح بلا مرجّح هو سكون النفس إلى أحد الطرفين والميل إليه من غير مرجّح وإن لم يحكم بتعيينه وجوبا ، وأمّا الحكم بذلك فهو أمر آخر وراء ذلك. ثمّ أوضح ذلك بأمثلة : منها : أنّه لو دار أمر العبد في أحكام السلطان المرسلة إليه بين امور ، وكان بعضها مظنونا بظنّ لم يعلم حجّيته من طرف السلطان ، صحّ له ترجيح المظنون ولا يجوز له الحكم بلزوم ذلك.
ومنها : أنّه لو اقدم إلى أحد طعامان أحدهما ألذّ من الآخر فاختاره عليه ، لم يرتكب ترجيحا بلا مرجّح ، وإن لم يلزم أكل الألذّ ، ولكن لو حكم بلزوم الأكل لا بدّ من تحقّق دليل عليه ، ولا يكفي مجرّد الألذّية. نعم لو كان أحدهما مضرّا صحّ الحكم باللزوم. ثمّ قال : وبالجملة : فالحكم بلا دليل غير الترجيح بلا مرجّح ، فالمرجّح غير الدليل ، والأوّل يكون في مقام الميل والعمل ، والثاني يكون في مقام التصديق و
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
