النهي للإرشاد لا للتكليف ؛ إذ لا يترتّب على مخالفة هذا الأمر والنهي إلّا ما يترتّب على ذات المأمور به والمنهيّ عنه أعني نفس الإطاعة والمعصية ، وهذا دليل الإرشاد ، كما في أوامر الطبيب ؛ ولذا لا يحسن من الحكيم عقاب آخر أو ثواب آخر غير ما يترتّب على نفس المأمور به والمنهيّ عنه فعلا أو تركا من الثواب والعقاب.
ثمّ إنّ هذين التقريرين مشتركان في الدلالة (٨٧٥) على التعميم من حيث الموارد يعني المسائل ؛ إذ على الأوّل يدّعى الإجماع القطعي على أنّ العمل بالظنّ لا يفرّق فيه بين أبواب الفقه ، وعلى الثاني يقال : إنّ العقل مستقلّ بعدم الفرق في باب الإطاعة والمعصية بين واجبات الفروع من أوّل الفقه إلى آخره ولا بين محرّماتها كذلك ، فيبقى التعميم من جهتي الأسباب ومرتبة الظنّ.
فنقول : أمّا التقرير الثاني ، فهو يقتضي التعميم والكلّية من حيث الأسباب ؛ إذ العقل لا يفرّق في باب الإطاعة الظنّية بين أسباب الظنّ ، بل هو من هذه الجهة نظير العلم لا يقصد منه إلّا الانكشاف. وأمّا من حيث مرتبة الانكشاف (٨٧٦) قوّة وضعفا فلا تعميم في النتيجة ؛ إذ لا يلزم من بطلان كلّية العمل بالاصول ـ التي هي طرق شرعيّة ـ الخروج عنها بالكلّية ، بل يمكن الفرق في مواردها بين الظنّ القويّ البالغ حدّ سكون النفس في مقابلها فيؤخذ به وبين ما دونه فيؤخذ بها.
______________________________________________________
٨٧٥. فيه نوع من المسامحة ، إذ لا دلالة للتقرير الأوّل على العموم بحسب الموارد إلّا بواسطة الإجماع الذي ادّعاه. فالأولى أن يقال : إنّ العموم بحسب الموارد ثابت بالنسبة إلى التقريرين ، أمّا الأوّل فبالإجماع ، وأمّا الثاني فباستقلال العقل به.
٨٧٦. لا يخفى أنّ عدم العموم في النتيجة بحسب المرتبة قوّة وضعفا على القول بالحكومة إنّما هو لأجل عدم تماميّة بعض مقدّمات دليل الانسداد ، كما يشير إليه قول المصنّف رحمهالله : «إذ لا يلزم من بطلان كلّية العمل بالاصول» إلى آخر ما ذكره ، لأنّ ظاهره أنّ المانع من كون النتيجة عامّة بحسب المرتبة إنّما هو عدم ثبوت بطلان العمل بالاصول في جميع مواردها ، فلو ثبت بطلانها كلّية فلا بدّ من العمل بالظنّ مطلقا ، سواء كان قويّا أو ضعيفا. والوجه فيه واضح ، إذ بعد فرض بقاء
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
