والحاصل : أنّه فرق بين أن يكون مرجع نصب هذه الطرق إلى قول الشارع : «لا اريد من الواقع إلّا ما ساعد عليه ذلك الطريق» ، فينحصر التكليف الفعلي حينئذ في مؤدّيات الطرق ، ولازمه إهمال ما لم يؤدّ إليه الطريق من الواقع ، سواء انفتح باب العلم بالطريق أم انسدّ وبين أن يكون التكليف الفعلي بالواقع باقيا على حاله ، إلّا أنّ الشارع حكم بوجوب البناء على كون مؤدّى الطريق هو ذلك الواقع ، فمؤدّى هذه الطرق واقع جعلي ، فإذا انسدّ طريق العلم إليه ودار الأمر بين الظنّ بالواقع الحقيقي وبين الظنّ بما جعله الشارع واقعا فلا ترجيح ؛ إذ الترجيح مبنيّ على إغماض الشارع عن الواقع (٨٤٥).
______________________________________________________
ذلك لأنّ الشارع إمّا أن يلاحظ مصلحة في سلوك طريق مخصوص فائقة على مصلحة الواقع ، بحيث يغمض الشارع عن مصلحة الواقع ، ويجعل مناط التكليف ما أدّى النظر في الأمارة إليه.
وإمّا أن يلاحظ فيه مصلحة متداركة لمصلحة الواقع على تقدير تخلف الطريق عنه ، مع بقاء مصلحة الواقع على حالها. وإمّا أن لا يلاحظ فيه سوى مصلحة الطريقيّة والوصول إلى الواقع غالبا. والأوّل مستلزم للتصويب. والظاهر إجماعهم على بطلان هذا النحو من التصويب. والأخيران غير مستلزمين للمطلوب من عدم إجزاء التوصّل إلى الواقع بغير الطرق المجعولة ، وإن فرضت مطابقة العمل للواقع أيضا ، كما هو واضح. مضافا إلى أنّ مقتضى القول باعتبار الطرق على وجه الموضوعيّة على الوجه المذكور هو القول بالإجزاء على تقدير انكشاف تخلف الطريق عن الطريق الواقع ، والمستدلّ لا يقول بالإجزاء في الأوامر الظاهريّة ، والتنافي بينهما واضح. وما أبعد ما بينه وبين ما ذهب إليه المحقّق القمّي رحمهالله ، لأنّه مع قوله باعتبار الطرق من باب الظنون المطلقة قال بالإجزاء فيها ، فقولهما في طرفي الإفراط والتفريط.
٨٤٥. بأن كانت مطلوبيّة الأحكام الواقعيّة مقيّدة بالوصول إليها بالطرق المجعولة ، كما عرفته في الحاشية السابقة.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
