والثاني : أنّ الجاهل الذي وظيفته الرجوع إلى العالم هو الجاهل العاجز عن الفحص ، وأمّا الجاهل الذي بذل الجهد وشاهد مستند العالم وغلّطه في استناده إليه واعتقاده عنه ، فلا دليل على حجّية فتواه (٧٩٣) بالنسبة إليه ، وليست فتواه من الطرق المقرّرة لهذا الجاهل ؛ فإنّ من يخطّئ القائل بحجّية خبر الواحد في فهم دلالة آية النبأ عليها كيف يجوز له متابعته؟ وأيّ مزيّة له عليه حتّى يجب رجوعه إليه ولا يجب العكس؟ وهذا هو الوجه فيما أجمع عليه العلماء من أنّ المجتهد إذا لم يجد دليلا في المسألة على التكليف كان حكمه الرجوع إلى البراءة ، لا إلى من يعتقد وجود الدليل على التكليف.
والحاصل أنّ اعتقاد مجتهد ليس حجّة على مجتهد آخر خال عن ذلك الاعتقاد ، وأدلّة وجوب رجوع الجاهل إلى العالم يراد بها العالم الذي يختفي منشأ علمه على ذلك الجاهل ، لا مجرّد المعتقد (*) بالحكم ، ولا فرق بين المجتهدين المعتقدين المختلفين في الاعتقاد وبين المجتهدين اللذين أحدهما اعتقد الحكم عن دلالة والآخر اعتقد فساد تلك الدلالة فلم يحصل له اعتقاد. وهذا شيء مطّرد في باب مطلق رجوع الجاهل إلى العالم ، شاهدا كان أو مفتيا أو غيرهما.
المقدّمة الرابعة (٧٩٤) : في أنّه إذا وجب التعرّض لامتثال الأحكام المشتبهة و
______________________________________________________
٧٩٣. إذ عمدة الدليل على حجّية فتوى العالم في حقّ الجاهل هو الإجماع والعقل ، والمتيقّن من الأوّل غير ما نحن فيه. ولا ريب في عدم استقلال العقل أيضا بذلك إن لم يستقلّ بعدمه. وأمّا الإطلاقات مثل قوله تعالى : (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) فعلى تقدير دلالتها منصرفة إلى غير محلّ الفرض.
٧٩٤. لا يذهب عليك أنّ حاصل هذه المقدّمة هو كون المقدّمات الثلاث المتقدّمة في كلام المصنّف رحمهالله منتجة لتعيّن الامتثال الظنّي ، وهذا ليس من جملة مقدّمات دليل الانسداد ، بل هي النتيجة المطلوبة إثباتها في المقام. فالأولى ـ بل
__________________
(*) فى بعض النسخ زيادة : ولو كان أعلم.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
