النفر (٤٧٨) من كلّ قوم طائفة لأجل مجرّد الجهاد ؛ بل لو كان لمحض الجهاد لم يتعيّن أن ينفر من كلّ قوم طائفة ، فيمكن أن يكون التفقّه غاية لإيجاب النفر على طائفة من كلّ قوم ، لا لإيجاب أصل النفر. وثالثا : إنّه قد فسّر الآية بأنّ المراد نهي المؤمنين عن نفر جميعهم إلى الجهاد ؛ كما يظهر من قوله : (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) ، وأمر بعضهم بأن يتخلّفوا عند النبيّ صلىاللهعليهوآله ولا يخلوه وحده ، فيتعلّموا مسائل حلالهم وحرامهم حتّى ينذروا قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم.
والحاصل : أنّ ظهور الآية في وجوب التفقّه والإنذار ممّا لا ينكر ، فلا محيص عن حمل الآية عليه وإن لزم مخالفة الظاهر (٤٧٩) في سياق الآية أو بعض ألفاظها.
وممّا يدلّ على ظهور الآية في وجوب التفقّه والإنذار : استشهاد الإمام بها على وجوبه في أخبار كثيرة. منها : ما عن الفضل بن شاذان في علله عن الرضا عليهالسلام في حديث ، قال : «إنّما امروا بالحجّ ؛ لعلّة الوفادة إلى الله وطلب الزيادة والخروج عن كلّ ما اقترف العبد» ـ إلى أن قال ـ : «ولأجل ما فيه من التفقّه ونقل أخبار الأئمّة عليهمالسلام إلى كلّ صقع وناحية ؛ كما قال الله عزوجل : (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ...)» (٤٥). ومنها : ما ذكره في ديباجة المعالم (٤٦) من رواية عليّ بن أبي حمزة ، قال : «سمعت أبا عبد الله عليهالسلام يقول : تفقّهوا في الدّين ، فإنّه من لم يتفقّه منكم في الدين فهو أعرابيّ (٤٨٠) ؛ إنّ الله عزوجل يقول : (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ
______________________________________________________
٤٧٨. النفر بالسكون جمع نافر ، قاله في القاموس.
٤٧٩. بناء على ظهور صدر الآية في النفر إلى الجهاد ، فعلى الجواب الأوّل يلزم مخالفة الظاهر في السياق ، وعلى الثالث مخالفة ظاهر بعض الألفاظ ، وهي لزوم التفكيك في الضمائر ، بخلاف المعنى المذكور في السؤال ، لعدم لزوم شيء منهما عليه.
٤٨٠. قال الطريحي في بيان الحديث : بفتح الهمزة نسبة إلى الأعراب ، وهم سكّان البادية خاصّة ، ويقال لسكّان الأمصار : عرب ، وليس الأعراب جمعا للعرب ، بل هو ممّا لا واحد له ، نصّ عليه الجوهري.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
