ثمّ إنّه كما استدلّ بمفهوم الآية على حجّية خبر العادل ، كذلك قد يستدلّ بمنطوقها على حجّية خبر غير العادل إذا حصل الظنّ بصدقه بناء على أنّ المراد ب «التبيّن» : ما يعمّ تحصيل الظنّ ، فإذا حصل من الخارج ظنّ بصدق خبر الفاسق كفى في العمل به. ومن التبيّن الظنّي : تحصيل شهرة العلماء على العمل بالخبر أو على مضمونه أو على روايته ، ومن هنا تمسّك بعض (٣٨) بمنطوق الآية على حجّية الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة ، وفي حكم الشهرة أمارة اخرى غير معتبرة. ولو عمّم التبيّن للتبيّن الاجمالي ـ وهو تحصيل الظنّ بصدق مخبره ـ دخل خبر الفاسق المتحرّز عن الكذب ؛ فيدخل الموثّق وشبهه (٤٦٧) بل الحسن أيضا.
وعلى ما ذكر ، فيثبت من آية النبأ ـ منطوقا ومفهوما ـ حجيّة الأقسام الأربعة للخبر : الصحيح ، والحسن ، والموثّق ، والضعيف المحفوف بقرينة ظنّية. ولكن فيه من الإشكال ما لا يخفى ؛ لأنّ التبيّن ظاهر في العلمي ؛ كيف ولو كان المراد مجرّد الظنّ لكان الأمر به في خبر الفاسق لغوا ، إذ العاقل لا يعمل بخبر إلّا بعد رجحان صدقه على كذبه ، إلّا أن يدفع اللغويّة بما ذكرنا سابقا : من أنّ المقصود التنبيه والارشاد على أنّ الفاسق لا ينبغي أن يعتمد عليه ، وأنّه لا يؤمن من كذبه وإن كان المظنون صدقه.
وكيف كان : فمادّة «التبيّن» ولفظ «الجهالة (٤٦٨)» وظاهر التعليل كلّها آبية عن إرادة مجرّد الظنّ. نعم ، يمكن دعوى صدقه على الاطمئنان الخارج عن التحيّر والتزلزل بحيث لا يعدّ في العرف العمل به تعريضا للوقوع في الندم ؛ فحينئذ لا يبعد انجبار خبر الفاسق به. لكن لو قلنا بظهور المنطوق في ذلك كان دالّا على حجّية الظنّ الاطمئناني المذكور وإن لم يكن معه خبر فاسق نظرا إلى أنّ الظاهر من الآية أنّ خبر الفاسق وجوده كعدمه ، وأنّه لا بدّ من تبيّن الأمر من الخارج والعمل على ما يقتضيه التبيّن الخارجي. نعم ، ربّما يكون نفس الخبر من الأمارات التي يحصل
______________________________________________________
٤٦٧. لعلّ المراد بشبهه ما كان بعض رجال سنده غير إمامي موثّق ، وبعض آخر إماميّ ممدوح ، لأنّ هذا واسطة بين الموثّق والحسن ، فتدبّر.
٤٦٨. لأنّها مقابلة للعلم.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
