من مجموعها التبيّن. فالمقصود الحذر عن الوقوع في مخالفة الواقع ، فكلّما حصل الأمن منه جاز العمل ، فلا فرق حينئذ بين خبر الفاسق المعتضد بالشهرة إذا حصل الاطمئنان بصدقه وبين الشهرة المجرّدة إذا حصل الاطمئنان بصدق مضمونها.
والحاصل أنّ الآية تدلّ على أنّ العمل يعتبر فيه التبيّن من دون مدخليّة لوجود خبر الفاسق وعدمه ، سواء قلنا بأنّ المراد منه العلم أو الاطمئنان أو مطلق الظنّ ، حتّى أنّ من قال (٣٩) بأنّ خبر الفاسق يكفي فيه مجرّد الظنّ بمضمونه ـ لحسن أو توثيق أو غيرهما من صفات الراوي ـ فلازمه القول بدلالة الآية على حجّية مطلق الظنّ بالحكم الشرعيّ وإن لم يكن معه خبر أصلا ، فافهم واغتنم واستقم. هذا ، ولكن لا يخفى : أنّ حمل التبيّن على تحصيل مطلق الظنّ أو الاطمئنان يوجب خروج مورد المنطوق وهو الإخبار بالارتداد.
ومن جملة الآيات قوله تعالى في سورة البراءة : (فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ (٤٦٩) طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (٤٠) دلّت على وجوب الحذر (٤٧٠) عند إنذار المنذرين ، من دون اعتبار إفادة خبرهم العلم لتواتر أو قرينة ، فيثبت وجوب العمل بخبر الواحد. أمّا وجوب
______________________________________________________
٤٦٩. قال أبو البقاء النحوي في تفسير التبيان : «يجوز أن يكون «منهم» صفة لفرقة ، وأن يكون حالا من طائفة» انتهى.
٤٧٠. توضيحه : أنّ المراد بالنفر هو النفر إلى طلب العلم وتعلّم الأحكام الشرعيّة كما نصّ عليه بعض المفسّرين ، لا إلى الجهاد كما سيشير إليه. وعن ابن عبّاس الطائفة من الواحد فما فوقه. وفي الغريبين : «طائفة منهم جماعة. ويجوز أن يقال للواحد : الطائفة. والطائفة من الشيء : القطعة منه» انتهى. وتقريب الاستدلال : أنّ الآية تدلّ على وجوب الحذر عند إنذار طائفة من المنذرين من دون اعتبار إفادة خبرهم العلم بالمنذر به بتواتر أو بوجود قرينة ، والغرض من وجوب الحذر وجوب العمل بالمنذر به ، أعني : ما أخبر به المنذر ، فيثبت وجوب العمل بخبر الواحد. وأمّا وجوب الحذر فللوجهين اللذين أشار إليهما المصنّف رحمهالله.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
