الفحص عمّا أوجب الشارع العمل به كما أوجب العمل بهذا ، والتبيّن المنافي للحجّية هو التوقّف عن العمل والتماس دليل آخر ، فيكون ذلك الدليل هو المتّبع ولو كان أصلا من الاصول ، فإذا يئس عن المعارض عمل بهذا الخبر ، وإذا وجده أخذ بالأرجح منهما. وإذا يئس عن التبيّن توقّف عن العمل ورجع إلى ما يقتضيه الاصول العمليّة ، فخبر الفاسق وإن اشترك مع خبر العادل في عدم جواز العمل بمجرّد المجيء ، إلّا أنّه بعد اليأس عن وجود المنافي يعمل بالثاني دون الأوّل ، ومع وجدان المنافي يؤخذ به في الأوّل ويؤخذ بالأرجح في الثاني. فتتبّع الأدلّة في الأوّل لتحصيل المقتضي الشرعيّ للحكم الذي تضمّنه خبر الفاسق ، وفي الثاني لطلب المانع عمّا اقتضاه الدليل الموجود.
______________________________________________________
وتوضيح المقام : أنّ التبيّن والفحص عن الخبر تارة من حيث دلالته ، واخرى من حيث سنده. وعلى التقديرين إمّا أن يكون ذلك لأجل إثبات المقتضي ، وإمّا لأجل دفع احتمال المانع. والأوّل كالبحث عن ظهوره ، بمعنى كونه ظاهرا في هذا المعنى أو ذلك المعنى. والثاني كالفحص عن قرائنه الصارفة. والثالث كالتبيّن عن صدق المخبر وكذبه. والرابع كالبحث عن معارضه.
ولا دلالة للآية بمفهومها على نفي أحد الأوّلين عن خبر العدل ، لكون الفحص عنهما مشتركا بينه وبين خبر الفاسق بالضرورة ، فلا وجه للتفصيل بينهما في ذلك. وكذلك الرابع ، لأنّ ظاهر الآية هو وجوب التبيّن عن خبر الفاسق لعلّة التحرّز عن الوقوع في خلاف الواقع ، ولا دخل لذلك في وجوب الفحص عن المعارض ، لأنّه فرع اعتبار الخبر بإلغاء احتمال الخلاف فيه في نظر الشارع ، إذ لا معنى لوجوب الفحص عن معارض ما لم تثبت حجّيته بعد ، لعدم إمكان تحقّق المعارضة بين الحجّة وغيرها. فتعيّن الثالث ، وهو وجوب التبيّن عن المخبر من حيث صدقه وكذبه. ثمّ إنّ ثمرة الفرق بين وجوب الفحص عن المعارض ووجوب التبيّن عن الصدق والكذب تظهر ممّا ذكره المصنّف رحمهالله.
![فرائد الأصول [ ج ٢ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4227_faraed-alusul-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
