لم يقل : أخرجت للأمم مع مطابقته لما قبله ؛ لأن الأمة هم المتبعون لنبيّ من الأنبياء ، ومن بني آدم من ليس كذلك ، فكان إخراج الأمم لبعض الناس غالبا ، وإخراج هذه الأمة لجميع الناس ، سواء كانوا متبعين لنبيّ من الأنبياء ، أو لا ، فالمتبعون للأنبياء من الناس هم أهل الأنس بالضم ، وخير المتبعين هم أهل الوحشة والنسيان ؛ ولهذه الأمة يد عليهم كلهم ، لما في استعاداتهم من الكمالات التي ليست هي في غيرهم ؛ ولذا كانوا خيرا منهم ؛ إذ الأشياء متساوية في ذواتها ؛ ولذا لم يلزم الإيمان بالملائكة من حيث ذواتهم ؛ بل من حيث رسالتهم ووساطتهم.
فالخيرية : إنما هي بالشرف في الفعل ، كما قال تعالى : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ) [البقرة : ٣١] ؛ لآن الأسماء في الحقيقة هي الحقائق المتعيّنة في هذا العالم ، وبتعليمها كان آدم عليهالسلام أفضل من الملائكة.
ومن تلك الحقائق : القيام بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، كما قال تعالى (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران : ١١٠] ،
والمعروف : هو الله تعالى.
__________________
ـ وشرح لي صدري ، ووضع عنّي وزري ، ورفع لي ذكري ، وجعلني فاتحا وخاتما. فقال إبراهيم : بهذا فضلكم محمّد ، وإنه واسطة عقد النبيين ورفيعهم».
وقال بعضهم : قد يحصل للورثة من هذه الأمة من العلوم التي اقتبسوها من مشكاة نبوته عليه الصلاة والسّلام بالمتابعة له والاقتداء ما لم يحصل للأنبياء الماضين عليهمالسلام بسبب عدم كونهم من هذه الأمة والورثة من هذه الأمة ما نالوها من جهة أنفسهم وإنما نالوها من نبوة نبيهم ولا يلزم من ذلك تفضيلهم على الأنبياء الماضين ؛ لأن حصول العلم من الغير السابق إليه لا تلزم الفضيلة به وإنما الفضيلة لمتبوعهم في حصوله وهو سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم لأن الحاصل له عليهالسلام من نبوته الكاملة.
قال الشيخ سيدي عبد الغني النابلسي في «شرح الفصوص» في الكلام على الفص اليوسفى :
ومن هنا : أي من هذا المذكور وهو أن الورثة من هذه الأمة قد يحصل لهم من العلوم ما لم يحصل للأنبياء الماضين ، قول ـ المصنف ـ يعني الشيخ الأكبر قدسسره ، خضنا بحرا وقفت الأنبياء بساحله.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
