فيجب على المؤمن أن يسأل الله تعالى في أن يربط قلبه حتى لا ييأس من رحمة الله الواسعة ، ويكون على توقّع سعة بعد ضيق أي ضيق كان ، فقد قال تعالى :
(إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) [الشرح : ٥ ، ٦] ؛ يعني : إن اليسر مقارن للعسر فيتعقبه ، وقد يكون في العسر سرّ اليسر ، ولا يشعر به المعسور.
والحاصل : إن الآية وعد لمتوقع الخير ، ووعيد لفاعل الشر ، والله عند حسن ظن عبده به لكن العبد وجب عليه أن يلاحظ قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار : ٦] ، فإن عبد الكريم لا بد وأن يكون كريما لا لئيما.
ثم في الآية إشارة إلى أن إنشاء المذكور لا يستلزم الاستحالة ؛ وهو قلب الحقائق ، فإن الإنسان لا يصير خنزيرا مثلا أبدا ، وإنما يظهر في صورته ، وكذا لا يصير ملكا وإن كان ظاهرا بصورته ؛ كجبريل في صورة شاب ، أو في صورة دحية ، أو نحو ذلك من الصور الحسنة ، وكذا الجن والمتروحنون.
ومن ذلك الكيمياء فإن الإكسير لا يقلب النحاس ذهبا حقيقة ؛ وإنما يقلب صفة النحاس ، فيظهر في صورة الذهب ، ثم لا يرجع إلى أصله أبدا كما أشار إليه قولهم : لو وصلوا ما رجعوا ، وقد نازع فيه بعضهم من لا خبرة له بحقيقة الحال ، وقس على هذا سائر الاستحالات ؛ فإنها استحالات صورة لا حقيقة ، وإن زعم بعضهم الحقيقة في كل ذلك.
* * *
في سورة الحديد
قال الله سبحانه : (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ) [الحديد : ١٣] : أي بين أهل الجنة الذين هم أهل الروح والسرّ ، وبين أهل النار الذين هم أهل النفس والطبيعة.
قال تعالى : (بِسُورٍ) [الحديد : ١٣] : أي بحجاب القدرة.
قال تعالى : (لَهُ بابٌ) [الحديد : ١٣] ؛ هو باب القلب.
قال تعالى : (باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ) [الحديد : ١٣] ؛ وهو الروح والسرّ ، وآثارهما وأنوارهما.
قال تعالى : (وَظاهِرُهُ) [الحديد : ١٣] ؛ وهو النفس والطبيعة وظلماتهما.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
