قال تعالى : (مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ) [الحديد : ١٣] : أي الجلال ؛ لأنه كما أن الرحمة من قبيل الجمال ؛ فكذا العذاب الذي هو الغضب من قبيل الجلال ، وجعل الروح والسر من جانب الباطن ؛ لأنهما يليان عالم الملكوت واللاهوت ، والنفس والطبيعة من جانب الظاهر ؛ لأنهما تليّان عالم الملك والناسوت.
ولا شك أن الملكوت باطن الملك كما أشار إليه قوله : (بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) [المؤمنون : ٨٨] ، فهو بمنزلة الروح من الجسد ، فكما أن الجسد مرآة الروح ؛ فكذا الملك مرآة الملكوت ، إذ لا يقبل المجرّدات الصور في نفسها ؛ لعدم تحيّزها ؛ وإنما تحيّزها تابع لتحيّز المتحيّزات فلا تقبل الرؤية إلا من المرآة ، وكذا اللاهوت والناسوت ، فعلم أن القلب كالأعراف في كونه برزخا بين ما فوقه ، وما تحته ، وله حظ من كل منهما ؛ ولذا جعل جامعا للضّدّين ، وأفضل من كل من الطرفين.
والكامل إنما يدخل الجنة باعتبار الطرف الفوقاني لا باعتبار الطرف التحتاني ؛ فإن طرف التحتاني قدم الجبار ، فيوضع الأول في الجنة ، والثاني في النار ، فهو في الدنيا نفس وطبيعة في الظاهر ، وروح وسرّ في الباطن ، وفي الآخرة روح وسرّ في الظاهر ، والباطن جميعا ليس معه نفس وطبيعة ؛ لأنهما قد بقيتا في الدنيا بعد التزكية ، والتي يعبّر عنها بالقدم ؛ هي صورتهما الممثّلة في الآخرة ، ولا تعلّق لهما بالجنة (١).
__________________
(١) قال سيدي محمد وفا في العروش : كل موضوع لمحمول إمّا مفصول عن عين تجلّيه ، أو مخلوع عن عين تنزّله وتدلّيه الأول بالقوة ، والثاني بالفعل ، وهو عرش لاستواءاته ، وفلك لوسع حمل صور موضوعاته بحيث جعله ، وكتاب مكنون كلمات قلم نثره ونظمه ، وحجاب لغيب بطونه عن مشابهة مثله ، وعين حق لتجلّي قوّته بفعله ، وكرسي لموضع قدمي مفصولة بتخصيص رحمته وعدله ، وحفظ ترتيبه في موضوع تعاقب موضوعاته في تولّي بعده وقبله ، ولوح لتعيين مولّدات كون تكوين قلم تسطيره وتصويره ، فالكرسي فصل عن وصل ، والعرش فصل في وصل.
فجبروت ملكوت وملكوت ملك ، وكل مجعول في حضرة عرشيه جنة فردوس لا يقابلها جحيم ، ولا عذاب أليم ، ولا غير أليم ، وكل مخلوق تحت كرسي ؛ إمّا في مادة قدم صدق ؛ فجنة نعيم ، وإمّا تحت حصر قدم الجبار ؛ فجحيم وعذاب أليم.
وهذه من حقائق القدمين والقبضتين ، والحشر مع القرينين ، والحافظين الكاتبين ، وهو بحسب ما يعطي الأخلاق والتخلّقات من لباس تلبيس الصور بالتصوّرات ، وبها يكون تفاوت الدرجات
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
