في سورة الواقعة :
قال الله سبحانه : (وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ) [الواقعة : ٦١].
اعلم أن الآخرة يقال لها : عالم الصفة ؛ لأن الإنسان يظهر فيها على الصفة الغالبة عليه في الدنيا ، فمن كانت الصفة الإنسانية غالبة عليه في هذه الدار ؛ فحشره عليها يوم القيامة ، ومن كانت الصفة الحيوانية غالبة عليه ؛ فحشره عليها أيضا يومئذ ؛ لكن الحيوانات أجناس مختلفة.
ولذا جاء في تفسير قوله تعالى : (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً) [النبأ : ١٨].
فإن بعض الناس يأتي على صورة الخنزير ، وبعضهم على صورة القرد ، وبعضهم على غير ذلك ؛ كل ذلك بحسب المناسبات الصفاتية ، وتلك الصفات مستورة في الدنيا بالصورة البشرية لكن الله تعالى قد يتجلّى بصورة القهر والغضب ، فيأخذ بعض عباده من طريق العدل على حسب سرّ قوله : (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة : ٤].
فيبدّل صورهم ، ويمسخهم كما فعل بأمة داود ، وعيسى ؛ فإنه جعلهم قردة وخنازير ، فذلك من إظهار الصفة الغالبة عليهم في هذه النشأة ، فإن الله لا ينظر إلى الصور والظواهر ؛ بل إلى القلوب والسرائر ؛ فهو من قبيل العقوبة المعجّلة ، وتلك الصور هي التي لا يعلم الظالم لنفسه أن الله ينشئه فيها في هذا العالم ، ولا يخطر ذلك بباله ؛ لكمال غفلته وغروره ، فلا يعاين حقيقة الحال إلا بعد وقوعها ، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها.
ثم لا يزال الإنسان يتقلّب من طور ، وهو لا يدري أي طور يدخل فيه بعد هذا اليوم لقوله تعالى : (وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ) [الأحقاف : ٩] فقد يدخل في مرض طويل يكون يائسا من رحمة الله التي هي عود الصحة ، ثم ينتقل إلى طور الصحة ، وهو الذي لا يعلم أن الله ينشئه فيه ، وقس على هذا سائر الأطوار المختلفة ؛ كالغنى بعد الفقر ، والأمن بعد الخوف ، والإقامة بعد السفر ، وقضاء الدين بعد ركوبه ، وحصول السكنى بعد فقده ، والنفع بعد الضرر ، والجبر بعد الكسر ، ونحو ذلك.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
