عبّر بقوله : (نزلة أخرى) ليكمل له الأمر مرة في عالم الكون والفساد ، وأخرى في المحلّ الأنزه الأعلى ، وعيّن الوقت بتعيّن المكان ، فقال : ((عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) كما في تفسير المناسبات : ولا يلزم إثبات المكان والجهة لله تعالى ؛ إمّا لأن المتقيّد بالعندية ؛ هو الرائي ، ولا يلزم من كونه عند سدرة المنتهى حين الرؤية كون الحق تعالى عندها ، وإمّا لأن المرء عندها وإن كان هو الحق تعالى إلا أنه لمّا كان متجلّيا بصفته وذاته محتجب بها ؛ لم يلزم أن يكون متقيّدا بالعندية من حيث هو : أي في مرتبة ذاته ، وقد رآه صلىاللهعليهوسلم في بعض سكك المدينة أيضا ؛ وهي مرتبة تجمع المرتبتين ؛ مرتبة قاب قوسين ، ومرتبة أو أدنى.
وفي الآية إشارة إلى شرف بعض الأمكنة ؛ كالسدرة ، والكعبة وغير ذلك ، وبعض الأزمنة ؛ كليلة القدر الواقع فيها المعراج يقظة ؛ ولذا ترى الخواص يرغبون في الأيام والليالي الفاضلة ، والأماكن والبقاع المتبركة لما أن الإمداد الإلهي أكثر فيها ؛ لكون باب الرحمة مفتوحا للعوام والخواص بحسب قابلياتهم.
فإذا كان العبد في وقت شريف ، ومكان لطيف ، وقلبه أصفى ، وروحه أجذب ، وسرّه أقرب ؛ فلا بعد من كرم الله تعالى أن يتجلّي له تجلّيا أفعاليا أو صفاتيا أو ذاتيا لا سيما إن المرء في الأوقات المباركة ، والأماكن المتبرّكة جليس الملائكة.
ولا شك أنهم ينزلون ليلة القدر ، فبقدر المجالسة يحصل الأنس ، وينجذب الباطن ، ويردّ الفيض الإلهي ، والحمد لله تعالى.
لطيفة : في سنة ١٢٢٩ ه كنت أتفكّر ليلة العيد الفطري في أمر الدار ؛ فإني كنت أسكن بعد دخول الشام بطريق الكراء فور.
* * *
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
