__________________
ـ ما وعدني ربي حقّا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا ، ثم لما قيل له : كيف تنادي قوما قد جيفوا؟ قال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، لكنهم لا يقدرون أن يجيبوا» ، والمشاهدة الباطنة دلت أرباب البصائر على أن الإنسان خلق للأبد ، وأنه لا سبيل عليه للعدم نعم تارة يقطع تصرفه عن الجسد ، فيقال مات ، وتارة يعاد إليه فيقال أحبي وبعث : أي أحيي جسده ، وكشف ذلك بالحقيقة مما لا يحتمله هذا الكتاب.
وأما ظنهم أن البعث ليس إيجادا ثانيا ، وهو مثل الإيجاد الأول فغير صحيح ، بل البعث إنشاء آخر لا يناسب الإنشاء الأول أصلا ، وللإنسان نشآت كثيرة. وليست هي نشأتين فقط. ولذلك قال تعالى : (وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ)[الواقعة : ٦١] ، ولذلك قال بعد خلق المضغة والعلقة وغير ذلك : (ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ)[المؤمنين : ١٤] بل النطفة نشأة من التراب والعلقة نشأة من النطفة والمضغة نشأة من العلقة والروح نشأة من المضغة ولشرف نشأة الروح وجلالته وقال تعالى : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)[الإسراء : ٨٥] ، ثم خلق الإدراكات الحسية بعد خلق أصل الروح نشأة أخرى ، ثم خلق التمييز الذي يظهر بعد سبع سنين نشأة أخرى ، ثم خلق العقل بعد خمس عشرة سنة وما يقاربها نشأة أخرى وكل نشأة طور (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً)[نوح : ١٤] ، ثم ظهور خاصية الولاية لمن رزق تلك الخاصية نشأة أخرى ، ثم ظهور خاصية النبوة بعد نشأة أخرى ، وهي نوع من البعث ، والله سبحانه وتعالى باعث الرسل كما أنه الباعث يوم النشور.
وكما أنه يعسر على ابن المهد فهم حقيقة التمييز قبل حصول التمييز ويعسر على المميز فهم حقيقة العقل وما ينكشف في طوره من العجائب قبل حصول العقل فكذلك يعسر فهم طور الولاية والنبوة في طور العقل فإن الولاية طور كمال وراء نشأة العقل كما أن العقل طور كمال وراء نشأة التمييز والتمييز طور كمال وراء نشأة الحواس وكما أن من طباع الناس إنكار ما لم يبلغوه ولم ينالوه حتى إن كل واحد ينكر ما لم يشاهده ولم يحصل له ولا يؤمن بما غاب عنه فمن طباعهم إنكار الولاية وعجائبها والنبوة وغرائبها بل من طباعهم إنكار النشأة الثانية والحياة الآخرة لأنهم لم يبلغوها بعد ولو عرض طور العقل وعالمه وما يظهر فيه من العجائب على المميز لأنكره وجحده وأحال وجوده فمن آمن بشيء مما لم يبلغه فقد آمن بالغيب وذلك هو مفتاح السعادات.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
