في سورة الأحقاف
قال الله تعالى : (يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) [الأحقاف : ٣١].
إنما اقتصر على مغفرة الذنوب ، والإجارة من العذاب ، وطوى ذكر إدخال الجنات ، والإثابة بالنعيم ؛ لأنه كقوله تعالى : (قُمْ فَأَنْذِرْ) [المدثر : ٢] ، وذلك لا يقتضي ألا يكون للجن نعيم ورؤية ، فإن أول الدعوة الإنذار للنجاة من النار ، ثم التبشير للفوز بالنعيم ، كما هو مقتضى الإيمان.
ودخل في النعيم الرؤية ؛ لأنها أعلى النعيم الإلهية ؛ ولذا ورد : «وأسألك لذّة النظر إلى وجهك الكريم» (١).
حيث أثبت اللذّة للنظر ؛ لأن الرؤية من اللذات المعنوية ، والنعم الروحانية ، فظهر من هذا أن المؤمنين من الجن ؛ كالمؤمنين من الإنس في الإجارة والإثابة ؛ لأن كلّا منهم داخلون تحت التكلّف والدعوة ، فمشاركتهم في ذلك تقتضي مشاركتهم في النعيم مطلقا.
نعم فرق بين نعيم الملائكة ، والجن ، والإنس.
أمّا الملائكة : فنعيمهم روحاني لا غير ؛ لأنهم خلقوا من النور ، وغلبت عليهم اللطافة الروحانية ؛ فصاروا في الأجسام اللطيفة ؛ كالأرواح ؛ ولذا كانت موتتهم غشية لا كموتة من عداهم ؛ وهي مفارقة الأرواح من الأجسام الطبيعية كما دلّ عليه قوله تعالى : (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) [الأنبياء : ٣٥].
ثم إن نعيمهم الروحاني ؛ هو حضورهم مع الله بقدر مراتبهم ، وأمّا ثواب أعمالهم فللمؤمنين كما ورد في النصوص.
وأمّا الجن : فنعيمهم جسماني وروحاني جميعا ؛ لأنهم وإن شاركوا الملائكة في دخولهم تحت الاسم اللطيف ؛ لكنهم فارقوهم من حيث إنهم خلقوا من مارج من نار ، فإنه ثبت لهم الأكل الجسماني ، فلهم بعض الكثافة من حيث خلقتهم ، وكونهم
__________________
(١) تقدم تخريجه.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
