__________________
ـ أن يكون المراد بذلك عنده : وما يعلم تأويله إلا الله وإلا الراسخون في العلم ، ومع علمهم بتأويله (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ،) أو يكون المراد أنّهم يعلمون تأويله في حال قولهم : (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ،) ومن قال بذلك استدلّ بظاهر العطف ، وأنّه يقتضي مشاركة الثاني للأول فيما وصف به الأول وأخبر به عنّه ، وقال : إذا أمكن ذلك وأمكن حمل قوله تعالى : (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) على الحال أو على خبر ثان وجب القول بذلك ، ولكلا الوجهين مسرح في طريق اللغة ، وإنّما ينبغي أن ننظر من جهة المعنى ، فإن ثبت بالدليل صحة أحد المعنيين قضي به ، وإلّا لم يمتنع أن يرادا جميعا إذا لم يقع بينهما تناف".
قلت أنا : وهذه طريقة لأبي علي فيما ورد من القراءات متغايرا فإنّه يقول : " إذا كان يمكن حمل الكلام على القراءتين المختلفتين فإنّهما جميعا مرادتان ، إذا صحّت القراءة بهما جميعا ، نظير ذلك قوله سبحانه : (وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ)[الكهف : ٨٦] ، وقد قرئ (حامية) ، فيقول : إنّه يجب أن تكون العين على الصفتين معا ، فتكون حمئة من الحمأة ، وحامية من الحمي ، فتكون هناك حرارة وحمأة ، وإلّا كان يجب ألّا تجوز إحدى القراءتين ؛ لأنّ من أصله أنّ كل كلام احتمل حقيقتين ولم يكن هناك دلالة على أنّ المراد به إحدى الحقيقتين دون الأخرى فواجب حمل الكلام عليهما جميعا حتى يكونا مرادين بذلك ، ومتى لم يكن حمل الكلام عليهما جميعا فلا بد من أن يبيّن الله تعالى مراده منهما بدلالة ، وإلا خرج من أن يكون فيه فائدة.
فأمّا من قرأ حمئة من الحمأة ، فإني قرأت بذلك على شيوخ القراءة لابن كثير ونافع وأبي عمرو وحفص عن عاصم ، وأمّا من قرأ حامية من الحمي فإني قرأت به لحمزة والكسائي وأبي بكر بن عياش عن عاصم وعبد الله بن عامر ، وقد ظن بعض الناس أنه لا يجوز إلّا أن يكون تمام الكلام ومقطعه عند قوله تعالى : (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ)[آل عمران : ٧] ، وأن الواو للاستقبال دون الجمع ، قال : " لأنّها لو كانت للجمع لقال : ويقولون آمنا به فيستأنف الواو كما استأنف الخبر" ، واحتج على هذا القول من قال بالقول الأول ، بأن قال : " هذا جائز ، وقد وجد مثله في القرآن وهو قوله تعالى في معنى قسم الفيء : (ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ)[الحشر : ٧] ، ثم أعقب ذلك بالتفصيل وتسمية من يستحق هذا الفيء ، فقال : (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
