ومعنى الحق : اقتران الوجود بالماهية ، فالوجود ؛ هو الوجود الأول الذي هو وجود الحق ، ولا يعتريه الخلقية ؛ وإنما المخلوق هو الماهية ؛ وهي تعيّن خاص بالنسبة إلى ما في علم الله تعالى من الثبوت.
ومن هذا السرّ قال تعالى : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص : ٨٨] ، فجعل الوجه الذي يلي وجه الحق غير هالك ؛ بل الحقيقة الإنسانية جامعة لوجهي الإطلاق والتقييد ، فوجه الإطلاق ؛ هو وجه عين وجه الحق في الحقيقة ، ولو لا هذا الوجه ؛ ما عرف الحق ؛ إذ لا مناسبة بين الحق والخلق أبدا (١).
ومن هنا ورد : «لا يعرف الله إلا الله» (٢).
وقالوا : إن البسيط لا يدركه إلا البسيط ؛ إذ لا مناسبة بينه ، وبين المركب ، وعلى هذه فابحث جميع الموجودات ، فما من كثيف إلا وله جهة لطافه بها يدركه اللطيف ، ومن هنا يدخل الروحاني من الجدار الغير النافذ.
وأمّا النور فمعنى حجابيته : كونه في مقابلة الظلمة ، ولا شك أن ما كان في مقابلة الظلمة ؛ فهو في حكم الظلمة ، كما أن الوحدة المقابلة لكثرة في حكم الكثرة ؛ ولذا لا يوصف الله تعالى ؛ وإنما يوصف بالوحدة الحقيقية التي هي مبدأ الوحدة الاعتبارية ، وكذا لا يوصف إلا بالنور الذي هو مبدأ النور المقابل للظلمة ؛ وهو النور الذاتي الأصلي الحقيقي الذي أشير إليه بلا ليل ولا نهار ؛ لأن النهار المقابل الليل ؛ هو النهار العارض ، والنور الطارئ.
وما يقال : إن الله تعالى يتجلّى في ليلة القدر ؛ فالمراد به النور الذاتي الذي ليس
__________________
(١) فكل شيء موجود نشاهده حسيّا ، ونعلمه عقلا ، وليس بهالك ، فكل شيء بوجهه ووجه الشيء حقيقته ، فما في الوجود إلا الله ، وإن تنوعت الصور ، وذلك أحكام التجلي لا المتجلّي ؛ فإنّه ورد في الحديث أنه يتنوع فيعرف وينكر ؛ لأنه كل يوم هو في شأن ، فنكر للعموم والشمول ، فذلك قال (له الحكم وإليه ترجعون) : أي من يعتقد أنّ كل شيء جعلناه هالكا ، وما عرف ما قصدناه من الآية إذا رآه ما يهلك منه ، ويرى بقاء عينه بالهلاك ، فهو وجهي ، فعلم أن الأشياء ليست غير وجهي ، فإنها لا تهلك ، فردها إلىّ حكما.
(٢) ذكره القرطبي في تفسيره (١ / ٢٦٤).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
