في سورة المؤمنون
قال الله سبحانه وتعالى : (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) [المؤمنون : ٢٩].
قوله : منزلا مباركا بضم الميم ، وفتحها بمعنى : موضع إنزال ، أو موضع نزول ؛ وهو السفينة النوحية ههنا ؛ لأن الخطاب لنوح عليهالسلام ، فكان السفينة منزلا مباركا له ، ولمن معه من المؤمنين حيث نجوا منها من الطوفان ، كما أن البر كان منزلا غير مبارك لمن عصاه من المشركين حيث أغرقوا من فيه بالطوفان ، وذلك لأن دخول السفينة كان بإذن الله تعالى ؛ فكانت منزلا مباركا يستتبع نفعا كثيرا ظاهرا وباطنا ، والإباء عن دخولها بإضلال الشيطان ، وتسويل النفس ؛ فكان عاقبته شرا محضا ، وهلاكا صرفا.
فكما أن دخول السفينة كان خيرا محضا ؛ لكونه امتثالا لأمر الله تعالى ، فكذا الخروج عنها بعد ما كان أمر الله مفعولا ؛ فكان الأرض أيضا منزلا مباركا لهم ؛ ولذا قال تعالى : (يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ) [هود : ٤٤] ؛ لأنها مع الماء المستوعب لا ينتفع بها.
والحاصل أن كلا من السفينة والأرض ؛ كان منزلا مباركا في وقته ؛ لأنه كان فيه نوح المبارك ، وما كان مستصحبا للمبارك ؛ كان مباركا ، فنعم المنزل ما سكن فيه الأخيار ، ووضع فيه قدمه الأبرار.
ولمّا كانت السورة مكية ؛ كان من إشارتها أن يدعو نبينا صلىاللهعليهوسلم بهذا الدعاء لنزّله الله المنزل المبارك الذي هو المدينة المنورة ؛ فكانت المدينة مباركة ببركة قدمه صلىاللهعليهوسلم ، كما كانت مكة المكرمة مباركة بقدمه ، وبأقدام سائر الأنبياء أيضا عليهمالسلام ، فكلّ منهما منزل مبارك لمن أراد أن يكون في جوار الله تعالى ، وجوار سيد المرسلين.
وفيه إشارة إلى أن الدنيا من المنازل الرفيعة حيث استدعى لسان الروح النزول إليها ، وكذا البدن الإنساني ذلك الروح الإضافي ، وإن لم يكن حالا فيه ؛ بل متعلّقا به تعلّق التدبير والتصرف ؛ لكنه كان كالمنزل له ، وإنما كان مباركا ؛ لأن الروح إنما يترقّى إلى الكمالات ، ويضع القدم في المعراج ، والمصاعد بإعانة البدن له
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
