فقد يقتضي المقام الغيبة كما في قوله تعالى : (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) [البقرة : ١٦٣] ؛ إشارة إلى مقام الهويّة الذاتية التي هي أول التعينات الإلهية ، فكون هذا المقام غيبا ؛ إنما هو بالنسبة للعبد لا بالنسبة إلى الله تعالى ؛ لأن الحقائق والأعيان كلّها مشهودة له تعالى أزلا وأبدا من غير تفرقة بين مرتبة العلم والعين إلا باعتبار.
وقد يقتضي المقام التكلّم كما في قوله تعالى : (لا إِلهَ إِلَّا أَنَا) [طه : ١٤] ، كما سمع ذلك من شجرة موسى عليهالسلام.
وقد يقتضي الخطاب كما في قصة يونس عليهالسلام.
فإذا كلّ من التكلّم ، والخطاب ، والغيبة : كلام مطلق بحسب الحقيقة غير متعيّن بنسبة من النسب إلا بحسب المقام.
فقول المنصور قدسسره (١) : أنا الحق ؛ كقوله هو الحق ، وأنت الحق ؛ لكن أهل
__________________
(١) قال الشيخ يوسف بن الملا عبد الجليل الموصلي : واختلف قوم فيه كالاختلاف في المسيح عليهالسلام فقيل : هو ولي الله ، وقيل : هو ساحر ، والتمس حامد بن العباس الوزير من الخليفة المقتدر تسليمه إليه ، فكان يخرجه في مجلسه ويستنطقه ، فلا يظهر منه ما يخالف الشريعة ، وحامد مجد في أمر ليقتله حسدا وبغيا وعدوانا لأولياء الله تعالى ، ثم أنه رأى له كتابا حكي فيه أن الإنسان إذا أراد الحج ولم يمكنه أفرد من داره بيتا نظيفا من النجاسات ، ولا يدخله أحد ، وإذا حضر الحج طاف حوله ، وفعل ما يفعله الحاج بمكة ، ثم يجمع ثلاثين يتيما ، ويعمل أجود طعام يمكنه ، ويطعمهم في ذلك البيت ويكسوهم ، ويعطي كل واحد سبعة دراهم ، فيكون كمن حج ، فأمر الوزير بقراءة ذلك قدام القاضي أبي عمرو ، فقال القاضي للحلّاج : من أين لك هذا؟ قال : من كتاب الإخلاص للحسن البصري ، ولم يعلم الحلاج ما دسّوه عليه ، فقال القاضي له : كذبت يا حلال الدم ، قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا ، فطلب الوزير خط القاضي بقوله حلال الدم ، فدافعه القاضي فلم يندفع ، وألزمه فكتب بإباحة دمه ، وكتب بعده من حضر المجلس من العلماء ، فقال الحلّاج : ما يحل لكم دمي ، وديني الإسلام ، ومذهبي السنة ، ولي فيها كتب موجودة ، فالله الله في دمي ، وأرسل الوزير الفتاوى بذلك إلى المقتدر ، فأذن له بقتله ، فضرب ألف سوط ، ثم قطعت يده ثم رجله ، ثم قتل ، وأحرق ، ونصب رأسه ببغداد.
قال الفاضل العمري : ولعمري أنها مظلمة مظلمة ، وقضية ظالمة ، ارتكبها الوزير لهوى نفسه ، وأظهر أنها حماية للشريعة المؤيدة.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
