كما قال صلىاللهعليهوسلم : «إن الله خلق آدم ؛ فتجلّى فيه» (١) ؛ يعني أنه تجليه الأحدي سار في آدم عليهالسلام ، ومن ذريته المندمجة في ظهره الظاهرة على الترتيب إلى يوم القيامة ، فلكل واحد منهم خصّة من ذلك التجلّي الأحدي بقدر استعداده ، كما أن لكل بيت من بيوت الناس خصّة من نور الشمس بقدر روزنته.
فكما أن البيت قد يكون فاقد الروزنة ، فيبقى مظلما محجوبا عن نور الشمس ؛ فكذا الإنسان إذا كان محجوبا بالحجب الكونية ، فاقد البصيرة ؛ يبقى محروما عن وصول نور التجلّي إليه بالفعل ، فليس الكلام في النور الإلهي ، فإنه لا بخل فيه ، ولا إعراض ؛ وإنما الكلام في المحلّ ، فلا بد من القابلية جدا ، فإذا حصل القابلية بالفعل ؛ وجد القابل ربه تعالى عنده ، فيخاطبه بحسب مقامه.
ومن هنا بان أن الله سريع الحساب يوم القيامة إذ لا يشغله شأن عن شأن ، وهو مع كل عبد من عباده يخاطبه ، ويقرر ذنوبه ، ويعامله معاملات أخرى ، ومن شاهد هذا المقام ؛ لم يشكل عليه فهم معنى قوله تعالى : (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) [البقرة : ٢٥٥] ، ونحو ذلك.
والحاصل أن خطاب يونس ، وهو في تخوم الأرض ؛ كخطاب نبينا صلىاللهعليهوسلم ، وهو في المستوى ، وذروة العرش حيث قال : «لا أحصي ثناء عليك أنت ؛ كما أثنيت على نفسك» (٢).
فإذا كل من المقامات العلوية والسفلية ؛ مقام الخطاب ، والسماء على أنه لا سفل بالنسبة له إلى الله تعالى ؛ ولذا شرّع التسبيح والتكبير في انتقالات الصلاة ؛ تقديسا له تعالى عن التقيد بمرتبة من المراتب الكونية بحسب قوله تعالى : (فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ) [آل عمران : ٩٧].
فظهر من هذا التقرير : إن كلّ من الخطاب ، والغيبة ، والتكلّم ؛ نسبة من نسب الكلام معتبرة بحسب المقام.
__________________
(١) تقدم تخريجه بنحوه.
(٢) رواه مسلم (١ / ٣٥٢) ، وأبو داود (١ / ٢٣٢).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
