والإرادة كما قال : (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس : ٨٢] ؛ فإن فيه إشارة إلى أن تكون الأشياء الخارجة مبني على القدرة والإرادة ، وأن المكوّن بالفتح يدور مع المكوّن ؛ لأن تعينه تابع لقوله تعالى : أي لقائه فافهم.
فكان ظهور الروح في كل مرتبة من مراتب التكوين بحسب قابليتها واستعدادها ؛ لأن نور الشمس لا ينعكس إلى البيت إلا بقدر وزنته ، ففرّق بين الصحراء والبيت.
ولمّا كان مرتبة النفس أنزل من مرتبة الروح ؛ قالوا : النفس الجمادي ، والنفس النباتي ، والنفس الحيواني ، والنفس الإنساني ، ثم ظهر كلياته في النفس المحمّدي ، فكانت الأشياء بصورها وأرواحها مرآة للصورة المحمّدية ، والروح المحمّدية ، فسألوه لا غيره عن الروح ؛ لأن روحه عليهالسلام أبو الأرواح ، وكان واقفا على جليّة الحال في أمر الروح ؛ لأن الله تعالى خلقه على أحسن تقويم ، وأعدل مزاج ، فلم يخف عليه شيء من الأشياء إلا ما استأثر الله تعالى في علمه ؛ وهي الممتنعات الغير المتجليّة بصورة من الصور الخارجية أية صورة كانت ، فبقيت في العلم الإلهي أبدا.
فقوله : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : ٨٥](١). تعريف له : بأنه من
__________________
(١) ف (عالم الأمر) هو عالم الغيب الذي هو الأسماء الذاتيّة ، ويليها أمهات أسماء الألوهيّة وتوابعها ، وكل واحد منها حجاب عن الآخر ، وصف نفسه تعالى باعتبار هذين العالمين : أي الظاهر والباطن ، أو الغيب والشهادة بأن له الحجب النوريّة التي هي الأرواح ، والظلمانيّة التي هي الأجسام ، فكل واحد منهما حجاب عن الآخر ، فإذا اعتبرتهما خلقا وأمرا ، ولطيفا وكثيفا ؛ إنما اعتبرتهما من حيث الأسماء ، وهي سلسلة الترتيب والوسائط المتكثّرة.
فبهذا الوجه يكثر الوجود ؛ وهو ظاهر الخلافة التي منه تكثر ، وأمّا إذا اعتبرتهما ؛ أي العالمين الخلق الأمر ، وإن شئت قلت : عالم الغيب والشهادة حقّا ؛ أعني من الوجه الخاص زالت الكثرة وارتفعت الوسائط ، وذلك باعتبار أن (الاسم) عين المسمّى ، و (الذات) هي السارية في الكل ؛ كتعيّن الأسماء من حيث عدم التّغاير ، فاتّحدّ الكل من حيث إن الساري في الكل هو الذات ، فهذا باطن الخلافة ، والتجلّي منه تجلّ أقدس.
وعلى هذا صحّ أن القرآن غير مخلوق من حيث ارتفاع الوسائط ، ومن حيث الإضافة إلى الاسم الذي عين المسمّى ، فصحّ له الوحدة مع تكثّر الألفاظ والحروف والآيات والسور ، وبذلك تكثر في
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
