لا بد من تخريب الهيكل الذي تعيّنه أشدّ من سائر التعينات ، وتخريبه إنما هو بالرياضات الشاقة بحيث تفنى الطبيعة والنفس عن الشهوات والهوى ؛ بل الروح عن الميل إلى المعارف ، والتغيّر عن الالتفات إلى شيء مما سوى الله تعالى.
وقال الله سبحانه : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : ٨٥].
اعلم أن الروح نصفه تركّي ، ونصفه عربي ، هكذا أثبت عند أهل الله.
معناه : إن البحث عن نصفه متروك ؛ لأنه من عالم اللطائف ، فلا يحرر بالقلم ، ولا يقرر باللسان ؛ بل يحال على الذوق ، وإليه الإشارة بالأمر ؛ لأن عالم الأمر عالم الإبداع ، والاختراع من غير مادة ، ولا في مدة.
ونصفه معرب عنه ؛ لأنه من عالم الكثائف ، فيحرر بالقلم ، ويذكر باللسان ، ولا يحال على الذوق ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ ،) وقدّم الخلق على الأمر حيث قال : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) [الأعراف : ٥٤] ؛ لأن عالم الخلق يلينا ، ففيه ترق من الأدنى إلى الأعلى ؛ ولذا قال : (تَبارَكَ اللهُ) [الأعراف : ٥٤] ؛ إشارة إلى الأمر ، ثم قال : (رَبُّ الْعالَمِينَ) [الأعراف : ٥٤] ، إشارة إلى الخلق ؛ لأن ألوهيته ناظرة إلى عالم الأمر ، كما أن ربوبيته ناظرة إلى عالم الخلق.
والحاصل أنه أسند التبارك إلى الألوهية ؛ لوقوعه قرب الأمر ، ثم وصفه بالربوبية نظرا إلى بعد الخلق ، فكان الروح أول عالم الإبداع ، وأسبق تجلياته سبحانه ، وكان له تعين في ذلك العالم ، وهو التعين الروحاني ، فدار في عالمه يوما واحدا من الأيام الإلهية ، وهو ألف سنة وهو عالم القلم والعقل ، ثم تنزّل إلى عالم الأرواح فدار في عالم اللوح أيضا يوما واحدا من تلك الأيام ، ثم تنزّل إلى عالم الخلق ؛ فكان خلق الروح أقدم من خلق الخلق بألفي سنة على ما ورد في بعض الأحاديث الصحيحة.
وكان مرتبة الروح مرتبة الحياة والعلم ؛ لأنه حيّ بالأسماء الإلهية ، وتنفست من مضايق كون الغيب وتنزّل العلم من الثبوت إلى الوجود ، ويشير إليه لفظ الروح ؛ لأنه من الريح ، وهو النفس الرحماني المفاض عليه ، وكان مرتبة الخلق مرتبة القدرة
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
