فالعذاب الأدنى هو : العذاب الدنيوي ، كما أن العذاب الأكبر هو : العذاب الأخروي دلّ عليه قوله تعالى : (إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ) [الغاشية : ٢٥] بعد قوله : (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ* فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ) [الغاشية : ٢٣ ، ٢٤].
فلا رجوع عن الكفر والمعاصي بعد الوقوع في العذاب الأكبر ؛ بل إنما يتحقق ذلك في العذاب الأدنى ، فإن تحقق ؛ فذلك رحمة في صورة العذاب ، وإلا فذلك رجز وغضب من الله ؛ كالطاعون حيث كان رحمة وشهادة للمؤمن ، وغضبا وإهانة للكافر ، فهذا العذاب ليس في حكم الخراب بالكلية ، فقد يرفعه الله بعد تمام الابتلاء ؛ فيكون القالب والقلب معمورين على حالهما.
وفي الآية إشارة أخرى ، وهي : إن خراب القالب عبارة عن خراب القلب بالفناء الكلي ؛ لأن المراد بالفناء هو زوال التعلّق بالتعينات ، وتعيّن القالب أظهر من تعيّن القلب بالمعقولات ؛ وهذا حال الكمّل فإنهم بعد إصلاح الطبيعة بالشريعة ، وإصلاح النفس بالطريقة ؛ عرجوا إلى درجة المعرفة ، والحقيقة بإصلاح الروح ، والسرّ بقطع العلائق عن الكون.
وأمّا التعذيب فحال من دونهم من أهل السلوك الذين شدّدوا على أنفسهم بأنواع الرياضات والمجاهدات لكنهم لم يصلوا إلى الموصول إليه الكمّل من الفناء الكلي ؛ بل بقوا في بعض مواطن السلوك إلى أن انتقلوا بالموت الطبيعي من هذه النشأة ، فحصول مرادهم بيد الله تعالى ؛ لأنه تعالى قال : (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ) [النساء : ١٠٠].
فكما أن المتوفّى في طريق الحج المعنوي ؛ فإنه يلتحق بالكمّل من حيث قصده ، فإن الذّريّة الصالحة يلتحقون بآبائهم على ما نطق به الكتاب ، وهم أشرف الذّريّة ؛ لكون نسبهم نسب التقوى.
وقد ورد : «كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي» (١).
__________________
(١) رواه الخطيب في التاريخ (٥ / ٢٦٦).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
