قوله عزوجل : (وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) [الإسراء : ٤٤] ، لم يقل : ولكن لا تسمعون تسبيحهم مع ظهوره ؛ لأن المقصود الأصلي من سماع التسبيح هو : فقه معناه ، والوصول إلى معرفة الحقائق ، وإذ لا فائدة في مجرّد السمع والبصر بدون الإدراك الحقيقي خص الفقه بالذكر ، ومن هذا القبيل ما قال تعالى : (وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) [الأعراف : ١٩٨] ؛ يعني : إن صورة النظر لا تقتضي حقيقة الإبصار.
فالنبي وغيره مشتركان في صورة الإبصار والإحساس ؛ لأن الكل من حيث صورته ، ومن ناظر إليه من حيث حقيقته ، فالناظر بالنظر الأول ؛ أهل الحجاب ، والناظر بالنظر الثاني ؛ أهل الكشف ، وقد فرّق الله تعالى بين صورة النبي ومعناه بقوله : (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَ) [الكهف : ١١٠].
فإن البشرية مما يلي جانب الخلق ، والوحي مما يلي جانب الحق ، فالخلق ظاهر ، والحق مستور عند المحجوب ، والأمر بالعكس عند المكاشف.
ولذا قال في كل حال : لا إله إلا هو ، اللهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر ، والمبصرين للصورة.
وقال تعالى : (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً) [الإسراء : ٥٨].
أشار بالقرية إلى قرية القالب الإنساني التي يسكنها القلب ؛ فإنها تخرّب بالموت الطبيعي الذي هو القيامة الصغرى قبل أن تقوم القيامة الكبرى ، كما تخرّب القرية بما هو في حكم الموت من الآفات ، وهذا الخراب لا يقبل العمارة أصلا ؛ لأنه لا حياة بعد الموت.
وبالنسبة إلى العادة الإلهية كما قال حكاية عن عزير عليهالسلام : (قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها) [البقرة : ٢٥٩] ؛ ومعنى العذاب إصابة الشدائد ، ومسّ المحن والمكاره ، فإن ذلك في حكم العذاب الأخروي ، فكما أن العذاب الأخروي لتخليص الجوهر عن الكدورات ؛ فكذا الابتلاء الدنيوي ، كما قال تعالى : (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [السجدة : ٢١].
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
