فإن قلت : فهذه الرحمة لكونها مقيدة بكونها للمؤمنين ليس للشيطان نصيب منها.
وأمّا قوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء : ١٠٧] فيقتضي خلافه لعمومه.
قلت : هذه الرحمة أيضا خاصة ليس للشيطان نصيب منها ؛ لأنه كافر ، فصار كالممرور المذكور الذي لا يجد حلاوة العسل ، فينكره ، فالمانع ليس من جانب المرسل ؛ بل من جانب المرسل إليه.
ألا ترى أن نور الشمس إنما يدخل في البيت إذا كان له كوة ، وأمّا المطبق الغير النافذ فليس له نور ، وإن كان النور حاصلا في نفس الأمر ، فانظر إلى تفاوت الناس في استعداداتهم ؛ فأعلى ، وأوسط ، وأدنى.
فالأعلى : هو المؤمن الكامل المنوّر بنور الحق تعالى بالفعل من جميع جهاته.
والأوسط : هو المؤمن الناقص المنوّر بالفعل من بعض جهاته.
والأدنى : هو المسدود عليه باب ذلك النور.
فالأعلى المقرّبون ، والأوسط الأبرار ، والأدنى الأشرار.
ثم إن المنزّل عليه ، هو قلب النبي صلىاللهعليهوسلم كما قال تعالى : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ) [الشعراء : ١٩٣ ، ١٩٤] ، وذلك من طريق الأصالة (١).
وقد ينزل على قلب الوارث ؛ لأن القلب واحد في الحقيقة ؛ وإنما ظهر له
__________________
(١) اعلم أن الله عزوجل لما أبدى خلقه وأمره بين نهايتين : نهاية علوّ فيما تعرف به وطرف دنوّ ممن تعرف إليه من خلقه جعل بين ذلك العلوّ العلا وبين ذلك الدنوّ وصلة منه وإيحاء من لدنه ، فكان خافية وصلته تنزيلا إلى الطرف الأدنى المالكة الروحية التي نزّلها إلى الروح القدسيّ والروح الأمين والملائكة والمرسلين ، ونزّلهم بما نزل إليهم ، وكان ظاهر وصلته الرسالة البشريّة الآدميّة بما نزل به ملائكته المرسلين والروح الأمين وروح القدس إلى ما وراء ذلك من اصطفاء التكليم إلى تفضّل الرؤية ، فكان موقع الاختصاص في الرسول لبشرى فيما بينه وبين ربّه نبوّة ، وبلاغ المرسل من ذلك الاختصاص حظّا عامّا لمن دون النبيّ في ذات اختصاصه رسالة ، ولما جبل الخلق عليه من إباء عن قبول ما ينزل عليهم ساق النبوّة والرسالة تسلط من المرسل عليهم على المرسلين في ابتداء أو إلى انتهاء ، وإقامة قسطاس ، وإظهار سلطان ، وموافاة نقمات على الآبين نجاة للمرسلين.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
