وفي سورة الإسراء
قوله عزوجل : (فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) [الإسراء : ١٦] ؛ المراد من تدمير القرية : تدميرها ، وتدمير أهلها ؛ لأن تدميرهم تابع لتدميرها.
ألا ترى أن الله أمر جبريل بقلب قرى قوم لوط ، فقلّبها ، وهم فيها ؛ فهلك ، وهلكوا جميعا ، وكذا أصحاب القرية المذكورة في سورة يس.
وأطلق التدمير ؛ لكون كل منها مدمّرة مخصوصة حسبما اقتضتها أعمال أهلها ؛ كالطوفان بالنسبة إلى قوم نوح ، وكالقلب بالنسبة إلى قوم لوط ، وكالريح بالنسبة إلى قوم هود ، وخصّ المترفين : أي المنعّمين ؛ لأن الفقراء تبع لهم ، والناس على دين ملوكهم.
والسمك يتغيّر من الرأس كما هو المشهور ، فإذا عصى رؤساء القوم ؛ لا يبقى لهم ، ولأتباعهم حرمة أصلا على أن الأتباع إن كانوا عصاة أيضا ؛ فهم أسوة لهم في الهلاك ، والأسرى الهلاك إليهم بحكم الجوار ، وبحكم المداهنة ، أو السكوت عن الحق.
وفيه إشارة إلى قرية القالب ومترفوها هي : أشراف الأعضاء ، والقوى ؛ كالسمع والبصر ، والقلب ، فإن الجسد تابع لها ، فإن صلحت ؛ صلح الجسد ، وإن هلكت ؛ هلك ؛ وهذا هو الهلاك المعنوي ، والفساد الحقيقي.
وقد قال تعالى : (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها) [الأعراف : ٥٦] ، وقال : (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد : ١١].
فالفاسد المفسد ، الهالك المهلك لا يلحقه إلا الفساد والهلاك ؛ لأنه جزاؤه ، وصورة عمله ، والله تعالى نسأل أن لا يهلكنا بسوء الأعمال ، ونتوب إليه من رديئات الأحوال.
__________________
ـ ودوائر إمكانه أصل شهودي لدوائر وجوباته في دائرته النظرية والخبرية ، وهما إدراكيان ، ودوائر وجوبه أصل وجودي لدوائر إمكاناته في الإدراك والعلم ، فالواجبات تتعلّق بالممكنات تعلّق اليقين ، والممكنات لا تتعلّق بها إلا تعلّق الظن ؛ لأن الأولى عالمة بذاتها ، ومدركة بإدراك مجرّد ، والثانية مدركة بنفسها ، وعالمة بعلم مشخص يحتمل النقيض بالتجرّد عن ذلك التشخص ؛ إذ التشخص بقاؤه في حفظ تشخصه ، وإمداده بذلك إبقاؤه ، والمجرد مستغن عن ذلك.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
