للبقاء ، وفيه إن الأرض تطوى في الليل ، كما ورد : «عليكم بالدلجة» (١) ؛ فإن الأرض تطوى في الليل.
والدلجة : السير في الليل ، ومن ذلك كان عبادات العباد في الليل أكثر ، وكانوا يستحلّونها لما يورثهم النسيم الرحماني في الأسحار ، والنفخ الروحاني في طلب الأوقات من اللّذات والنشاط.
وفيه أن الأهل : وهي المخدّرات ينبغي أن يكون خروجهنّ من البيت لحاجة ضرورية في وقت الظلمة ؛ لأنه أستر لهنّ ، وأهل الحرمين الشريفين يعملون بهذا إلى الآن ، فإن نساءهم المستورات لا يخرجن بالنهار ألبتّة ؛ بل بعد المغرب ، أو في وقت الشافعي حتى أن العروس تزفّ إلى بيت زوجها بعد المغرب حين ينقطع الأقدام من السكك ، والأسواق.
وقوله صلىاللهعليهوسلم : «واتبع أدبارهم» (٢) ؛ إشارة إلى حال رئيس القوم فإنه يسوقهم من ورائهم سوقا لطيفا ، أو لو خلّاهم وطبّعهم مالوا إلى بعض الأمور الطبيعية الشهوانية ، فينقطعون عن الطريق ، ويحلّ بهم غضب الله تعالى كما يحلّ بالمنقطعين ؛ لأن الوقت لا يقتضي إلا الإسراع ، كما قال تعالى : (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) [آل عمران : ١٣٣] أي : إلى أسبابها ، ومن ذلك السير المأمور في الليل.
وقوله عزوجل : (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ) [الحجر : ٦٥].
أي : في سيره إلى ورائه ، كما كان حال النبي صلىاللهعليهوسلم ؛ فإنه كان لا يلتفت إلى يمينه وشماله ، ولا إلى جهة من جهاته ، ولو بدا له ، لم يلو عنقه ؛ بل التفت بكله ليكون التوجه أحديا ، وهذا إذا كان الالتفات مما لا يضرّ ، ولم يكن منهيّا.
وأمّا إذا كان مضرا منهيّا ؛ فلا التفات أصلا كما كان ليلة المعراج ، وفيه إشارة إلى حال السالكين ، فإنهم إذا كانوا محققين ، وفي سيرهم مجدين محفين ، فهم لا يلتفتون عن السمت أصلا ؛ بل أخرجوا ، كان خروجهم بالله.
__________________
(١) رواه أبو داود (٣ / ٢٨) ، والنسائي (٦ / ٢٣٦).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٢ / ٩٣) ، (١٤ / ٤١ ، ٤٢).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
