سوى الله في القلب ، وتمكّنه فيه ، فلا بد من سدّها بعض العين ، وعدم الالتفات إلى الدنيا وزخارفها.
وقد ابتلى أكثر الناس في هذا الزمان بعرض الزين ، وكذا بمدّ العين ، فضلّوا وأضلّوا ، وكانوا من أعوان الشيطان ، ونوّابه في إضلال من يستحب الحياة الدنيا على الآخرة بخلاف غيره ؛ وهو من يستحب الآخرة على الدنيا ؛ وهم أهل الآخرة الذين كانت الدنيا حراما عليهم ؛ أي منعوها عن أنفسهم منع الحرام ، وكذا من يستحب الله تعالى عن الدّارين ؛ وهم أهل الله الذين كانت الدنيا والآخرة حراما عليهم ؛ بمعنى انهم عملوا لله بأبدانهم ؛ لكن اشتغلوا بربهم عن الالتفات إلى أعمالهم ، فإن الشيطان لا يحوم حولهم.
والحاصل : إن عباد الله منهم المخلصون بكسر اللام ؛ وهم الصادقون ؛ بمعنى انهم تخلّصوا عن شوائب النفسانية في أعمالهم وأحوالهم ، وهم على خطر في الجملة لبقاء شيء من نفوسهم.
ومنهم المخلصون بالفتح ؛ وهم الصدّيقون ؛ بمعنى أنهم تخلّصوا عن شوائب الغيرية ، كما تخلّصوا عن شوائب النفسانية.
فهم فانون عن نفوسهم ، باقون بربهم لا يد للشيطان عليهم أصلا ؛ لأن الشيطان إنما يخدم النفس ؛ لأنها الأصل في الفساد ، فإذا كانت حركات عن صفاتها الرذيلة ؛ عزل الشيطان نفسه عن تلك النفس المطمئنة ؛ لأن النور والظلمة لا يجتمعان.
ولقد غلب عاصم على غيره من القرّاء في قراءة الفتح ، ولله درّه معرفة ، فإن المستثنى من العباد ؛ إنما هو هم لا غيرهم ، وإن كان غيرهم أيضا ممن يتذكّر ويبصر ؛ لكن أين المخلط من غيره ، فإنه ما دامت بقيّة من النفس ؛ فصاحبها غير محفوظ بالكلية ، وقد عرف بين الأولياء إن الكمّل محفوظون ؛ بل معصومون إلا أن العصمة تقال في الأنبياء ، والحفظ في الأولياء فرقا بين المقامين.
قال الله سبحانه : (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) [الحجر : ٦٥].
يشير إلى لوط : الروح ، وأهله : قواه ، فإن المؤمن يستأنس بالمؤمن ، والجنس إلى الجنس يميل ، والليل إشارة إلى ليل الجلال المقتضي للفناء المنتهى إلى الجمال المستلزّم
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
