__________________
ـ بوجهه يستسقى الغمام ، وبدعائه ينزل مطر السماء فينبت النبات ، ويكون لها سقيا ورعيا.
وقال ابن عباس : رحمة للبر والفاجر ؛ لأن كل نبيّ إذا كذّب أهلك الله من كذّبه ، وسيّدنا محمد صلىاللهعليهوسلم أخر من كذّبه إلى الموت أو إلى القيامة ، وأما من صدّقه فله الرحمة في الدنيا والآخرة ، فعلم أن ذاته رحمة للمؤمنين والكافرين ، كما قال تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)[الأنفال : ٣٣].
وروى الدارمي والبيهقي حديث : «إنما أنا رحمة مهداة».
وقال بعضهم : زيّنه الله بزينة الرحمة ، فكان وجوده رحمة ، وجميع شمائله رحمة على الخلق.
وقال أبو العباس المرسي رضي الله عنه : الأنبياء كلهم خلقوا من الرحمة ، ونبينا صلىاللهعليهوسلم هو عين الرحمة.
لا يقال : كيف هو رحمة وقد جاء بالسيف واستباحة الأنفس والأموال؟
لأنّا نقول : إنما ذلك لمن أدبر واستكبر ، ولم ينفع فيه وعظ ولا إرشاد ، ومن أوصافه تعالى : الرحمن الرحيم والجبار والمنتقم.
وفي الشفاء : حكي أنه صلىاللهعليهوسلم قال لجبريل : «هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ فقال : نعم ، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عليّ بقوله : (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)[الحاقة : ٤٠]».
ولما شج وجهه صلىاللهعليهوسلم ، وكسرت رباعيته يوم أحد ، قيل له : «لو دعوت عليهم ، فقال : إني لم أبعث لعانا ، وإنما بعثت داعيا ورحمة ، اللهمّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» : أي اغفر لهم هذا الشيء الخاص ، الراجع لذاتي لا مطلقا ، وإلا أسلموا كلهم. ذكره ابن حبان.
وإنما دعا عليهم يوم الخندق بأن يملئ الله بطونهم وبيوتهم نارا ؛ لأنهم شغلوه عن الصلاة الوسطى ، فكان الدعاء عليهم لله تعالى لا لحظ نفسه انتهى.
وبالجملة : نعمتان ما خلا موجود عنهما ، ولا بدّ لكل مكون منهما نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، والكل منه صلىاللهعليهوسلم.
أما الأول : فلأنه صلىاللهعليهوسلم السبب في إيجاد الجميع.
قال في المواهب : روى الحاكم في صحيحه : «إن آدم عليهالسلام رأى اسم محمد صلىاللهعليهوسلم مكتوبا على العرش».
وإن الله عزوجل قال لآدم : «لو لا محمد ما خلقتك».
وفي حديث سلمان عن ابن عساكر قال : «هبط جبريل على النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : إن ربك يقول لك : إن كنت اتخذت إبراهيم خليلا فقد اتخذتك حبيبا ، وما خلقت خلقا أكرم عليّ منك ، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ، ومنزلتك عندي ، ولولاك ما خلقت الدنيا».
وصحّ عن ابن عباس وله حكم المرفوع : «ولو لا محمّد ما خلقت آدم ، ولو لا محمّد ما خلقت الجنة والنار ، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب ، فكتبت عليه : لا إله إلا الله ، محمّد رسول الله ، فسكن». وهذا من باب الحكمة ، والمصلحة الراجعة إلى العباد ؛ لإظهار عظمة سيّدنا محمد صلىاللهعليهوسلم ، وإشهار كرامته عند الله تعالى بجعل وجوده سببا في وجود الموجودات.
وأما الثاني : فلأن كل نعمة وصلت إلينا ، أو تصل وإن كانت في الحقيقة من الله تعالى : (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ)[النحل : ٥٣] ، فقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يجعل الواسطة في ذلك الذي
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
