كما قال تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) [الآية : ٤٨] : أي على مشرب واحد لا يعطي إلا فيضا أحاديا ؛ لكن الله تعالى لم يشأ ذلك ؛ بل كان من الواجب في الحكمة اختلاف المشارب ، وتباين التجليّات ، وتفاوت الفيوض ، وتكثير الواردات ؛ لأنه تعالى واسع لا ضيق في تجليّاته ، ولا حصر في فيوضه ، بل يجري
__________________
ـ تظهر على يده تلك النعمة ، وبيده مفتاح خزائنها ، سيدنا محمد صلىاللهعليهوسلم ، كما قال عليهالسلام : «إنما أنا قاسم والله يعطي».
وكما قال ابن مشيش قال الشارح : (ولا شيء إلا وهو به منوط).
هذا وما ذكرناه من أن معنى (عين الرحمة) : نفسها ، مبالغة في اتصافه بها ، هو أحد احتمالين : ثانيهما :
إن المراد بالعين عين الماء : أي مقرّه الذي يجتمع فيه ، ثم يتفرق من ذلك المقر سواقي للسقي والانتفاع ، فسمّي صلىاللهعليهوسلم عين الرحمة : أي مقرّا لها ؛ لأن الله أبطن فيه ما شاء أن يقسمه لخلقه ، وجعله مقرّا لانصباب كل ما قسمه لخلقه في سابق علمه ، كما يأتي في شرح قوله بمركز الفهوم ، فهو استعارة تصريحية قربتها الإضافة إلى الرحمة.
تنبيه : قال في الرماح بعد تقرير نحو ما أصلناه من عموم رحمته صلىاللهعليهوسلم ما نصّه ، وهو المراد بقوله : (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف : ١٥٦].
وقوله تعالى : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ)[الأنبياء : ١٠٧] ؛ لأن أصله صلىاللهعليهوسلم رحمة ، ولا يلزم من شمول الرحمة عدم وقوع العذاب والوعيد في الغضب ؛ لأن ذلك من مقتضيات الكمالات الإلهية ، فإن الكريم وإن أعطي كرمه لو لا بطشه وغضبه وعذابه ما خيف جانبه ، ولو أمن منه هذا الحال احتقر جانبه ، وليست هذه صفة الكريم ولا ينبغي له هذا ، فتبيّن لك أن صفة الكريم الغضب والبطش والتعذيب ؛ ليكون جانبه معظما مهابا ، كما كان مرجوّا لرحمته وعفوه انتهى.
تنبيه آخر : من رحمته صلىاللهعليهوسلم ترغيبه لأمته في التراحم في الحديث : «الراحمون يرحمهم الرحمن ؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».
«إنما يرحم الله من عباده الرحماء».
«من لا يرحم لا يرحم».
«من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء».
«من لا يرحم الناس لا يرحمهالله».
«ما نزعت الرحمة إلا من شقيّ».
«لا يدخل الجنة إلا رحيم ، قالوا : يا رسول الله كلنا رحيم ، قال : ليس رحمة أحدكم نفسه وأهل بيته حتى يرحم الناس».
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
