__________________
ـ والكونية ، فافهم.
وأما الباقيان من النشآت :
فأحدهما : «النشأة الحشرية».
وثانيهما : «النشأة الاستقرارية في إحدى الدارين» وقد سبق التنبيه عليهما ، والله الميسر.
جاء وارد بكتابه في جملته أمر مضمونه : اعمل لي ، قلت : اعمل له تصديقا بوعده ، ووعيده ، وترجّيا لفضله المرغب فيه ، قالت نفسي : هذا لا يصلح لمقامي ، قلت : اعمل له بموجب أمره امتثالا وانقيادا ، قالت : هذا أيضا لا يصلح ؛ لأني حالتئذ أكون عبدا لأمره لا عبده ، قلت :
اعمل له لا نظرا إلى الأمر ؛ بل نظرا إليه من كونه آمرا ، قالت : إن الوارد يأبى هذا أيضا ؛ فإني أكون عبدا له من كونه آمرا ؛ لا عبدا حقيقة ، قلت : اعمل له ؛ شكرا على ما أنعم به علىّ ، قالت : مقامي يأباه ، قلت : اعمل له ؛ ابتغاء وجهه الكريم ، قالت : وفوقك مع حظك منه ، وابتغاء عملك على علة أمر ينافيه كمال المقام ، قلت : فاعمل به سبحانه له ، قلت : نعم الآلة ، وبئس المستعمل ، قلت : اعمل ولا اقصد بعملي أمرا ما ، ولا استحضر حال مباشرتي العمل والشروع فيه نية متعلقة بمطلب معيّن يكون سببا لانبعاثي نحو العمل ، قالت : لا ؛ هذا شبيه العبث ، قلت : فكيف العمل؟ قال الوارد برسالة النفس : اجتهد ألا تجعل لهمتك وهمك متعلّقا غير الحق ؛ لكن تعلّقا جمليا كليّا غير محصور فيما علمت منه أو سمعت عنه ، بل على نحو ما يعلم نفسه في أكمل مراتب علمه بنفسه وأعلاها ، ثم ترى أنه العامل بك لا أنت.
هذا بعد أن يستصلحك فيكسبك وصفه الإطلاقي كما أخبر إمام الكمّل صلىاللهعليهوسلم بقوله : «إنّ الله قال على لسان نبيّه». وفي رواية : «على لسان عبده سمع الله لمن حمده».
وإكساب ذلك الوصف هو أن يصدق في حقك حكم التمحّض المنبّه عليه بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ)[الفتح : ١٠] و : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ)[النساء : ٨٠] وحكم التشكيك المنبه عليه بقوله : (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى)[الأنفال : ١٧].
فمتى صحّ لك ذلك وراثة محمدية كان قولنا : يعمل بك وأنت وغيرهما من الضمائر إشارة إلى الشأن الذي قيّد فعله سبحانه المطلق الذي لا وصف له قبل هذا التقييد الشأني ، ولا اسم ، ولا حكم ، ولا رسم ، وإنما عرض له بحكم هذا التقييد ظهور بوصف ، واسم ، وحكم ، ورسم ، وتبع هذا التقييد الشأني المنبه عليه تقييدات أخر كانت مدرجة ولازمة للتقييد المنبّه عليه ؛ كقيد الأزمنة والأمكنة والمواطن والمراتب التابعة لمرتبة الشأن المذكور والنشآت ، فإنه ؛ أعني هذا الشأن منبع كل ما ذكر ومحتده.
فإذا تحققت بهذا الوصف الإطلاقي من حيث هذا الشأن الجمعي الأحديّ صدرت منك الأفعال ، وصدورها من جناب ربك دون غرض ولا استكمال بها ، لما ثبت في بعض أذواق أمهات
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
