ثم إن الله تعالى لم يقل في الآية : إن ربك جامع .. إلخ (١) لأن الجمع في الحشر ، وإن كان من مقام الربوبية لا اتصاله بالبرزخ المتصل بالدنيا ؛ وهو رب العالمين في الدنيا ؛ فله اللطف لأهلها جميعا ؛ لكن الجمع في النار من مقام الألوهية والقهر ، كما أن الجمع في الجنة من مقام الولاية واللطف فاعرف.
فإن من كان خصمه في الدّارين الله ؛ فلا نصرة له ، ومن كان وليه في الدّارين المولى ؛ فلا خذلان له ، وإلى هذا يشير قوله تعالى : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ) [محمد : ١١].
فالله تعالى في حق المؤمنين هو المولى ، وفي حق أضدادهم هو المنتقم هذا وههنا نفاق أكبر حقيقي ، وكذا كفر حقيقي.
أمّا الأول : فمن تلوينات الأسماء الإلهية ، إذ لكل اسم وجه غير وجه الآخر ، وذوق غير ذوق الآخر ، فلا يذوقه إلا الكمّل ، ولا يتجلّى به إلا الأعزة الندر.
وأمّا الثاني : وهو الكفر الحقيقي ، فيستفاد من قوله تعالى : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ) [البقرة : ٢٥٦] ، فإنه مادام لم يكن المؤمن كافرا ؛ لم يكن مؤمنا ، فعليك بالكفر أولا ، ثم بالإيمان ، وإياك والإيمان ، ثم الكفر.
ومعنى جمع أهل النفاق ، والكفر الحقيقيين في جهنم جمعهم في معنى الاستهلاك في الوجود الحق ، والفناء عن التعينات مطلقا.
فإن الله تعالى إنما خلق جهنم ؛ ليذوق الفناء في الآخرة من لم يذقه في الدنيا ؛ ولذا قال تعالى : (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً) [النبأ : ٣٠] : أي فذوقوا العذاب للفناء إلى انتهاء الفناء ، وفي مقابلته البلايا والمحن المتعلّقة بأهل الودّ والولاء في الدنيا ، فأول الحال عذاب ، ثم عذب.
في آواخر سورة النساء : قال تعالى : (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ) [النساء : ١٧٢].
فيه إشارة إلى بطلان قول من قال : إن المسيح عليهالسلام روح مجسّم ، كروح القدس المجسّم في بعض الأحيان في صورة وحيه ؛ وذلك لأن الله تعالى أثبت له العبودية ، وقد قالوا : إن العبد هو اسم الروح ، والجسد جميعا ، وبه أثبتوا المعراج الجسماني لنبينا صلىاللهعليهوسلم ؛ لأنه تعالى قال : (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ) [الإسراء : ١] ،
__________________
(١) والآية : (إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) [النساء : ١٤٠].
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
