ولو قال : بمحمد مقام بعبده ؛ لأفاد أيضا لفظ العبد ؛ لأنه المحمّدية إنما تكون من حيث الجسمانية.
ولذا لم يذكر صلىاللهعليهوسلم بهذا الاسم قبل الظهور بالعين الخارجي ؛ لكن لمّا كان في العبودية شرف عظيم ؛ آثر لفظ العبد على لفظ محمد ، ويعرف ذلك من قوله صلىاللهعليهوسلم : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (١) : أي أنا سيد أفراد الإنسان مطلقا ؛ ولكن لا افتخر بالسيادة ؛ بل بالعبودية ؛ لأن بالعبودية يمتاز الألوهية ، ففي كل سيادة شائبة الوهية ، فاعرف هذا المقام ، وكن فانيا عن نفسك ؛ فإن فيه السلم لا تمل إلى السيادات ، والكرامات فإن فيه الملام.
قال عزوجل : (وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) [النساء : ١٧٢].
وجعله المعتزلة من أسلوب الترقّي فقالوا : بأفضلية الملائكة على البشر ؛ فإنهم إذا كانوا أفضل ممن هو من أفاضل الأنبياء ؛ كانوا أفضل ممن هو دونه ، وأصابوا في ذلك ؛ لكن لا مطلقا ، فإن صنفا من الملائكة هم أفضل من البشر لا كلهم ؛ وهم الملائكة العالون المهيمون.
فإن قلت : لا شك أن الملائكة العالية المهيمة : أرواح مجرذدة عن الأجسام مطلقا : أي أجسام لطيفة كانت كغيرهم من ملائكة السموات ، أو أجسام كشفية كالبشر فإنهم مطبوعون من العناصر الكشفية.
وقد سبق منك : إن العبدية اسم للروح والجسد جميعا ، قلت : إن إثبات العبدية للمهيمة على تقديراتهم لا يستنكفون عن أن يكونوا عبيدا لله ؛ إنما هو بطريق المشاكلة على أنهم وإن لم يكون لهم عبادة تكليفية كسائر أهل الملكوت ؛ لكن لهم عبادة ذاتية ؛ وهي توجهاتهم الأحدية إلى الحضرة الأحدية ، واستغراقهم في بحر الشهود والحضور ؛ ولذا وصفوا بالقرب منه ، فإنه لا يقرب من الله تعالى أحد إلا بالكشف والحضور على أنهم أقرب مخلوق إلى عالم الاختراع ليس بينهم وبين أول التجليّات الإلهية واسطة أصلا.
__________________
(١) رواه الترمذي (٥ / ٣٠٨) ، وأحمد (١ / ٢٩٥).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
