والحي المخرج من الحي : كهابيل من آدم ، وكأولاد المؤمنين إلى يوم القيامة.
والميت المخرج من الميت : كأولاد الكفار إلى قيام الساعة.
فهذه الأقسام كلها كانت مجموعة في صلب آدم ، إجمالا حتى أظهرها الله في الدهور ، والأعصار تفصيلا ، فكان آدم مبتدأ الموت والحياة ، وكانت حياته غالبة على موته ؛ ولذا فوّض ذبح كبش الموت يوم القيامة إلى يحيى عليهالسلام ، وخلق الله الموت في ذلك الكبش ، وفي الثور أيضا حين يذبح عند باب الجنة ، كما أنه خلق الحياة في الحوت الذي يذبح عنده أيضا ، فكما أن الذي يصلى النار لا يحيا ولا يموت إلى أن يمضى الأحقاب ، ثم هو ميت صورة ، وحيّ معنى.
فكذا الذي يدخل الجنة يحيا أبدا لما دلّ عليه جريان الأنهار فيها ، وإنما قلنا : إن الذي يصلى النار هو حي معنى بعد مضي الأحقاب لما ثبت في بعض الأحاديث : «إنه ينبت الجرجير في قعر جهنم» : أي بعد ذلك المضي ، فقيد النبات بالقعر دون الوجه ؛ إشارة إلى ما ذكرنا ، وهو سرّ عجيب يعزّ الإلهام بمثله ، وفي مقابلته جريان الأنهار ، ونبات الأشجار في سطح الجنة ؛ فهي دار الحيوان ظاهرا وباطنا ، والنار دار الحيوان باطنا وظاهرا.
وبما قررنا لك تفطّنت لسرّ ذكر الحياة والموت في سورة الملك ؛ فإنها سورة قطب الأقطاب في كل عصر ، ومن عنده يظهر آثار الموت والحياة ؛ فهو المحي المميت لا صورة فقط ؛ بل ومعنى أيضا ، فالذي صدّقه واعتقده ؛ كان معه تحت لواء جماله ، والذي كذّبه وأنكره ؛ كان معه تحت لواء جلاله ؛ لأنه كما أن لكل نبي من الأنبياء يحشر مع قومه المصدّقين والمكذّبين جميعا صدّقوه أو كذّبوه ، وذلك لأن علماء هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل.
ومن هنا يعلم أن الولي يكون نبيّا : أي في حكمه ، كما أن النبي يكون وليّا : أي لا يكون نبيّا إلا بعد ولايته ، فإن نهاية الولاية أول درجات النبوة ، وفي هذا المقام زلّت أقدام كثير من السّلاك ؛ لعدم فهمهم عن الله ، وعدم وقوفهم عند الشرائع والحقائق ، والموفق.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
