(إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ) [الآية : ١٤٠].
لأن الأعداء مع أمثالهم ، وحيثما كانوا ؛ فدارهم جميعا جهنم التي لها البعد غاية البعد من حيث عمقها ، كما أن أهلها لهم الضلال البعيد في الدنيا ، فما له البعد البعيد للبعداء ، وما له القرب القريب للقرباء ؛ وذلك لأن المؤمنين أيضا مع أمثالهم ، وحيثما كانوا ؛ فدارهم جميعا الجنة الملتف بعض أغصان أشجارها بالبعض ، فانظر ما أعجب هذه الحقيقة.
ولمّا كانت الإنسان مظهر الاسم الجامع لكونه في الدرجة الأخيرة من المخلوقات ؛ أضاف الله الجامعية إلى الألوهية ، فالسعداء مجموعون يوم القيامة حسبما جمعهم الهدى في هذه الدار ؛ فهم الجامعون المجموعون ، وكذا الأشقياء مجموعون في ذلك اليوم حسبما جمعهم الضلال في هذه الدار ؛ فهم الجامعون المجموعون.
أمّا كون كل فريق من الفريقين مجموعين فظاهر ، وأمّا كونهم جامعين ، فالسعداء جمعوا بين الأسماء الجمالية بالفعل ، وبقيت الأسماء الجلالية بالفعل ، وبقيت الأسماء الجمالية في نفوسهم بالقوة ، فكل منهم جامعون بين الأسماء كلها ، وإن اختلفت تلك الأسماء فعلا ، وقوة ، وظهورا وبطونا.
ومن هذا ظهر سرّ قولهم : الولد سرّ أبيه ؛ لأن معناه فيه ما فيه : أي من الأسماء ، فهابيل من أولاد سرّ أبيه من حيث ظهور الجمال ، وبطون الجلال ، وقابيل سر أبيه أيضا لكن من حيث ظهور الجلال وبطون ، الجمال ، فإنه ظهر فيه ما بطن في أبيه ، كما أن هابيل ظهر فيه ما ظهر في أبيه ، وبطن فيه أيضا ما بطن في أبيه من سرّ الجلال ، فمن ولد هو سيرة أبيه ، ومن ولد هو صورة أبيه ، ثم هذا الأمر يدور مع الآباء والأولاد إلى يوم القيامة.
فقوله تعالى : (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ) [يونس : ٣١].
يدور على أربعة أوجه عبارة وإشارة : فالحي المخرج من الميت ؛ كإبراهيم عليهالسلام من آزر ، ومحمد صلىاللهعليهوسلم من عبد الله.
والميت المخرج من الحي : كقابيل من آدم عليهالسلام ، وكنعان من نوح ؛ ولذا قال تعالى : (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) [هود : ٤٦] إذ لا أهلية بين المؤمن والكافر ، والحي والميت.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
