أي بعد المحبة التي هي أساس الالتحاق ، فمن ظن كفاية المحبة المطلقة بدون موافقة الأعمال ؛ فقد ألحق اليهود بموسى ، والنصارى بعيسى ، والروافض بالمرتضى ، فحاشا عن أن يلتحق الملوّث بالمطهّر فلا فائدة للأطماع الفارغة ، ولو شاء الله لجمع الناس على الهدى ؛ ولكن قال : ذلك الفضل من الله يتفضل به على من يشاء وكفى بالله عليما بمن يستحق الفضل بحسب استعداده.
كما قال : (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) [الأنعام : ١٢٤].
وفيه إشارة إلى أن الكسب إنما هو من الأدب ، وإلا فكل كمال إنما هو اختصاص إلهي ناظر إلى الشئونات الذاتية الأزلية التي لا مدخل فيها للجعل ، فربّ صالح يلحقه الله بمن فوقه من الأصلح ؛ فيكون أصلح ، وربّ صادق يرقيه الله إلى الأعلى ؛ فيكون أصدق ، وإذا كان أصدق ؛ كملت مقاماته.
وإن كان السير في الله لا نهاية له أبد الآباد ؛ هو الذي قرب من درجة النبوة ، كما قال تعالى : (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف : ١٠٨] : أي أنا على بصيرة في أمر الدعوة ، وكذا من اتبعني قولا وفعلا وحالا.
أمّا القول : فهو صدق القول.
وأمّا الفعل : فهو صدق الفعل.
وأمّا الحال : فهو صدق الحال.
فمن لم يصدق في هذه المراتب ؛ لم يكن من أهل الدعوة إلى الله ؛ لأن الكاذب لا يدخل على الله ، ولا يدلّ على الله ؛ ولذا قالوا : عين اليقين ، فمن ادّعى العين ؛ فلا عين له فقد ارتكب المين ، فكيف يجوز أن يقول الرجل أبصرت ولا بصر له؟ أو علمت ولا بصيرة له؟
فأهل الرسوم إرشادهم إنما هو من الأحكام ، وأهل الحقائق دعوتهم إنما هي إلى مرسل الأحكام ، فكما أن الأحكام لإصلاح الظواهر ، فكذا الحقائق لإصلاح البواطن ، والظواهر ظروف البواطن فليست البواطن بعيدة من الظواهر ؛ لكن العيون الظاهرة لا تبصرها ، فيجب أن يكون المرء ؛ كالهدهد ، فإنه يرى الماء تحت الأرض ،
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
