ولا تكون الأرض حائلة له ؛ بل هي كالمرآة لما يراه فيها.
فكما أن الأرواح مع الأجساد ورؤيتها رويتها ، فكذا الصور مشاهد المعاني وشهودها شهودها ، فظهر أن الباصرة إنما هي لرؤية الآثار ، والبصيرة لإدراك الحقائق من تلك الآثار ؛ ولذا جعل الله لكل رجل قلبا ليتقلّب به في درك الأسرار ؛ فيترقى إلى عالم الأرواح ، ثم إلى عالم المعاني ، ثم إلى غيب الذات ؛ وهي سدرة المتهى التي هي آخر السدر ؛ لأن لكل عمل وسير سدرة مخصوصة.
والرب تعالى هو المنتهى كما قال تعالى : (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) [النجم : ٤٢] : أي إلى ربك المخصوص المعروف الموصوف المرسوم فافهم جدا ، أو لا تكن كالسمك يسكن في الماء ، ويجري فيه ، ويسأل أين؟ فهذا هو الماء قد أفاض الله عليك ، وبالاستفاضة أشار إليك.
وقال الله سبحانه : (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ) [النساء : ١٠٠] : أي من بيت بشريته وطبيعته ، وفيه إشارة إلى أن السالك الخارج الأجر الآتي ، وإن لم يخرج من بلد وجوده المجازي بالكلية ، فإن الخروج من بلد الوجود بالكلية ، والدخول في بلد الوجود الحقيقي إنما يحصل في الدنيا لواحد بعد واحد.
والله تعالى يمنّ على عباده السالكين ؛ فيوصلهم إلى مقاصدهم ، إمّا في الدنيا ، وإمّا في البرزخ ، وإمّا في الحشر ؛ وهو المراد بقولة من قال : من لم يصل إلى مراده ؛ فمراده يجئ إليه ، وهذا الإيتاء في قول من قال : إن كل كمال لم يحصل في الدنيا ؛ فهو لا يحصل في الآخرة.
وذلك فإن عدم الحصول إنما هو لغير السالك ، وأمّا السالك فتدارك بفضل الله سبحانه ، كما قلنا آنفا ، وإلى حال غير السالك دلّ قوله تعالى : (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ) (١).
وإلى حال السالك أشار قوله تعالى : (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ) [النساء : ١٠٠] ، وهذا المبحث قد حققناه في كتابنا المسمّى : «بتمام الفيض» بما لا مزيد عليه ، والله الموفّق.
__________________
(١) رواه الحكيم الترمذي في النوادر (٤ / ١٨٦) ، وذكره المناوي في فيض القدير (٣ / ٦٨).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
