ولذا قال (رب العالمين) بعدما قال : (الحمد لله) وأعاد الإطاعة فصلا لمن ليس له مثل ؛ وهو الحق عمّن له مثل ؛ وهو الحق ، وإن كان الخليفة مثل المستخلف في الظهور ؛ ولكن أين الحدوث والإمكان من القدم؟
والوجوب أيضا : إشارة إلى أن طاعة الرسول إطاعة مستقلة ؛ لأن للخليفة الأمر والنهي من عند نفسه ؛ لفنائه في المستخلف ، وبقائه به دلّ عليه قوله تعالى :
(وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) [النجم : ٣] : أي لأنه ليس فيه الهوى أصلا ؛ بل فيه الحق والهدى قطعا ؛ فالحق لا يقول إلا الحق ، ولمّا إن الله تعالى أقام الرسول مقام نفسه ؛ أقام الرسول أيضا خلفاء أمته مقام نفسه ، كما قال : «عليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (١).
وكما قال : «رضيت لأمتي ما رضي ابن آدم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه» (٢).
وفوق هذا ما قال : «ما رآه المؤمنون حسنا ؛ فهو عند الله حسن» (٣).
فتدبّر قوله عزوجل : (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء : ٥٩] ؛ وهو العلماء السادة ، والمشايخ القادة ؛ لأنهم أمراء الأمة قرنا بعد قرن ، فمن نصّبه الرسول ؛ فهو أمير الرسول ، ومن نصّبه الأمة بعده ؛ فهو أمير المؤمنين ، فللمؤمنين حكم التنصب كما للرسول ؛ لأنهم مظاهر الأسماء العامة ، فلهم السلطنة العظمى من حيث جمعيتهم ؛ ولذا كان نصب السلطان يبدأ الرعية ، وإن كان الحاكم عليهم هو السلطان ، وهذا من الغيةر الإلهية.
ومن هذا الباب : إن الرسول ينال مقام الوسيلة بدعاء الأمة ، وإن كان كمالات الأمة كلها بشفاعة الرسول ، وعطف أولي الأمر على الرسول من غير إعادة لفظ الإطاعة ؛ إشارة إلى أن إطاعة الرسول ، وإطاعة أولي الأمر إطاعة واحدة إذ ليس لهم التشريع أبدا ؛ وإنما لهم الإجماع على الحق ، والتصرّف في المباحات التي لا يحكم الشرع فيها بالثواب والعقاب ، فإذا أحكموا بالعمل بمباح من المباحات ؛ كان ذلك
__________________
(١) رواه الترمذي (٥ / ٤٤).
(٢) رواه الحاكم في المستدرك (٣ / ٣٥٩).
(٣) رواه الطبراني في الكبير (٩ / ١١٢) ، وذكره المناوي في فيض القدير (٥ / ٤٥٢).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
