ولذا لم يكذّبهم أحد إلا هلك ، وعلى هديّ في أفعالهم ؛ ولذا من اقتدى بهم في ذلك ؛ اهتدى إلى الدرجات العالية ، وارتقى إلى المراقي الصاعدة ، وعلى حقيقة في أفعالهم الباطنة.
ولذا من اتبعهم على بصيرة في رياضاتهم ومجاهداتهم ؛ تشرّف بأنواع المكاشفات والمشاهدات والمعاينات التي هي نتائج التجلّي الأفعالي ، والصفاتي ، والذاتي ، ومنه التجلّيات كلها حاصلة لجميع الأنبياء ، والمرسلين ، ومن تبعهم من الكمّل.
وأمّا أمم الأنبياء فمتفاوتون في الدرجات ، وهذه الأمة المرحومة أعلى طبقة منهم أجمعين ؛ لأن منهم من وصل إلى التجلّي الذاتي بالفعل والتفضيل بخلاف خواص سائر الأمم ، فإن الواصل منهم إلى تلك المرتبة الجليلة إنما وصل من مقام الإجمال والقوة ، فأين هم من هذه الأمة؟.
ولذلك لا يقتضي نقصانا لأنبيائهم ، فإن الدعوة حاصلة في جميع المراتب ؛ لكن لمّا كانت الاستعدادات متفاوتة وناقصة ؛ لم يحصل من الدعوة إلا بعض آثارها ، فذلك يرجع إلى نقصان في استعدادهم لا إلى نقصان غيرهم.
إذ ليس للداعين نقصان في ذلك أصلا ؛ إذ الدعوة إنما هي بعد الوصول إلى الله تعالى في جميع المراتب ، نعم فرق نبي ونبي ، وكذا نبي ورسول ، وكذا بين رسول وبين واحد من أولي العزم ، وكذا بين نبينا وبين سائر الأنبياء عليهمالسلام ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ) [البقرة : ٢٥٣].
ثم إن هدى الأولين إنما يتبع من حيث إنه هدى مأمور به في هذه الشريعة المحمّدية ، قد يكون الخطاب في الآية لمن جاء بعد الصدر الأول من هذه الأمة إلى يوم القيامة ، وذلك من طريق الإشارة والوارد ، فيكون أكامل هذه الأمة الجاثية عصرا بعد عصر مهتدين إلى سنن الصدر الأول ، وهو أتم من الهداية إلى سنن الأولين ؛ لأن الأولين كما عرفت لم يبلغ درجتهم درجة هذه الأمة.
والحاصل : إن هذه الأمة مهدية إلى سنن الأولين ، ومع هذا أعطاهم الله تعالى سننا أخرى من حيث اتباعهم نبيهم الأفضل بما أحرزوا جميع السنن المرضية فعلا
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
