مع حكمته لكونه لطفا ، فيعلم لزومه له ، ولا يجوز أن يعلم ذلك وهو سائل في أنّه ، تعالى ، يثيب أم لا. لأنّه يجب أن تتقدّم منه المعرفة بالشروط التي لها يحسن منه التكليف ، فصار فقد العلم بذلك يؤثّر فيما معه بعلم وجوب الشرعيّات ، وفقده لا يؤثّر فيما معه بعلم وجوب النظر والمعرفة. فلذلك فرّقنا بينهما (ق ، غ ١٢ ، ٢٨٧ ، ١٣)
وجوب النبوة عقلا
ـ أمّا الفلاسفة والمعتزلة (وجوب النبوّة عقلا) فإنّهم قالوا : لمّا كان نوع الإنسان أشرف موجود في عالم الكون ؛ لكونه مستعدّا لقبول النفس الناطقة ، القريبة النسبة من الجواهر الكرويّة ، والجواهر الروحانيّة ، لم يكن في العقل بدّ من حصول لطف المبدأ الأول ، وإفاضة الجود منه عليهم ، لتتمّ لهم النعمة في الدنيا والسعادة في الأخرى. وكل واحد من الناس قلّما يستقلّ بنفسه وفكرته ، وحوله وقوّته ، في تحصيل أغراضه الدنياويّة ، ومقاصده الأخرويّة إلّا بمعيّن ومساعد له من نوعه. وإذا ذاك فلا بدّ من أن تكون بينهم معاملات ، من عقود بياعات وإجارات ومناكحات ، إلى غير ذلك ، مما تتعلّق به الحاجات ، وذلك لا يتمّ إلّا بالانقياد ، والاستسخار من البعض للبعض ، وقلّما يحصل الانخضاع والانقياد من المرء لصاحبه بنفسه ، مع قطع النظر عن مخوفات ومرغبات ، دينيّة وأخرويّة ، وسنن يتبعونها ، وآثار يقتدون بها ، وذلك كله إنّما يتمّ ببيان ، ومشرّع يخاطبهم ويفهمهم من نوعهم ؛ وفاء بموجب عناية المبدأ الأول بهم. ثم يجب أن يكون البيان مؤيّدا من عند الله ـ تعالى ـ بالمعجزات والأفعال الخارقة للعادات ، التي تتقاصر عنها قوى غيره من نوعه ، بحيث يكون ذلك موجبا لقبول قوله ، والانقياد له فيما يسنّه ويشرّعه ، ويدعو به إلى الله ـ تعالى ـ وإلى عبادته والانقياد لطاعته ، وما الله عليه من وجوب الوجود له ، وما يليق به وما لا يليق به ، وأحكام المعاد وأحكام المعاش ؛ ليتمّ لهم النظام ، ويتكامل لهم اللطف والإنعام ، وذلك كلّه فالعقل يوجبه لكونه حسنا ، ويحرّم انتفاءه لكونه قبيحا (م ، غ ، ٣١٨ ، ٩)
وجوب النظر
ـ أمّا وجوب النظر فإنّما نفيد بذكر الطريق لأنّ أوّل ما ينظر الناظر فيه هو إثبات الأعراض وحدوثها. ثم كذلك على ترتيب المسائل التي تقدّمت وذلك لا يكون علما بالله بل العلم به أوّلا هو أنّ للأجسام محدثا ، ولذلك ذكرنا لفظ الطريق. فإذا أردت الدلالة على وجوب النظر فلا وجه إلّا حصول الخوف من تركه وقد تقرّر في العقول وجوب دفع الضرر عن النفس معلوما كان أو مظنونا متى كان المحترز منه أعظم من المتحرّز به ، ولا فرق بين المضارّ الدينيّة والمضارّ الدنياويّة (ق ، ت ١ ، ١٧ ، ٥)
ـ وجوب النظر سمعيّ ، خلافا للمعتزلة وبعض الفقهاء من الشافعيّة والحنفيّة. لنا قوله تعالى : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الإسراء : ١٥) ، ولأنّ فائدة الوجوب الثواب والعقاب ، ولا يقبح من الله تعالى شيء من أفعال ، فلا يمكن القطع بالثواب والعقاب من جهة العقل ، فلا يمكن القطع بالوجوب (ف ، م ، ٤٢ ، ١٣)
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ٢ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4209_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
