ـ اعلم أنّ شيخنا أبا هاشم ، رحمهالله ، قال في سائر كتبه : إنّه (الخاطر) كلام ، إما أن يفعله الله تعالى أو يأمر بعض الملائكة بفعله ، ولا يجوز أن يكون سواه ؛ ولذلك أغنى دعاء الداعي وخطابه عنه ؛ ولو كان غير كلام ، لم ينب منابه. قال : ولأنّه يجري في بابه مجرى تخويف المخوف من سلوك طريق بأنّه لا ماء فيه ، فيجب أن يكون كلاما. وجعل هذين الوجهين كالدلالة على أنّ الواجب من قول أبي علي ، رحمهالله : إنّه كلام ، لأنّه قد استشهد بذلك في كتبه. وقال رحمهالله : ولا يجب إذا أثبتناه كلاما أن يكون تعالى مكلّما لكل الخلق على الحدّ الذي كلّم موسى ، كما لا يجب إذا جعلنا قوله تعالى : (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) (النساء : ١) ، كلاما وخطابا لجميع المكلّفين ، أن يكون مكلّفا لهم أجمع على حدّ ما كلّم موسى. وإنّما اختصّ موسى ، صلى الله عليه ؛ بذلك لأنّه تعالى كلّمه على وجه مخصوص لم يكلّم عليه غيره ، ولأنّ في العقلاء من لا يرد عليه الخاطر أو يغني عنه دعاء الداعي أو يفكّره من ذي قبل. فلا يجب أن يكون تعالى مكلّما للكل ، سيّما وقد يجوز في الخاطر أن يكون من فعل بعض الملائكة ، فلا يجب أن يكون تعالى مكلّما له ، على أنّ هذا الكلام لخفائه لا يقال في فاعله : إنّه مكلّم لمن أورده عليه ، كما لا يقال في وسوسة الشيطان : إنّه كلام لنا ، وإنّه قد خاطبنا (ق ، غ ١٢ ، ٤٠٢ ، ٢١)
ـ قال رحمهالله (أبو هاشم) : لو كان (الخاطر) اعتقادا ، لكان المخطر بباله مضطرّا إليه ، والمتعالم من حاله خلاف ذلك ؛ ولو كان ظنّا ، لحلّ محلّ الظنّ المتبدأ ، لأنّه تعالى لا يجب أن يفعله فيه بأمارة ؛ فكان ذلك ينبئ عن نقصه ، وكان يجب أن لا يكون سببا لوجوب النظر. وفي بطلان ذلك دلالة على أنّه من جنس الكلام ، لكنه لالتباسه بالفكر من حيث ورد خفيّا ، وحصل بحيث يقارب محل الفكر اليقين ، وصار كالتباس حديث الغشّ في بعض الأحوال بالنظر والفكر. فلذلك لا يحسن أن نعلمه ضرورة ، وإن كان لا بدّ من وروده عليه (ق ، غ ١٢ ، ٤٠٣ ، ١٧)
ـ اعلم ، أنّ المعتمد في ذلك أنّه لا بدّ من إثبات الخاطر معنى ، لأنّه أمر حادث يختصّ من ورد عليه ، ولا بدّ إذا كان معنى ، من أن يكون من أفعال القلوب أو أفعال الجوارح ، لأنّ إثباته سوى هذين لا يصحّ. ولا يمكن أن يثبت من أفعال القلوب إلّا ظنّا أو اعتقادا ، لأنّ ما عداهما لا لبس فيه من حيث صحّ أنّ من ورد عليه الخاطر خائف ظانّ لما يخاف منه ، غير قاطع عليه ، فلا يصحّ كونه علما. ولا مدخل للإرادة وغيرها من أفعال القلوب في هذا الباب. فأمّا النظر ، فهو مما يجب عند الخاطر ، فلا يلتبس بنفس الخاطر. وأفعال الجوارح تنقسم : فمنها ما لا يفيد من حيث تقع المواضعة عليه ، ولا ما يجري مجراه. فلا مدخل في هذا الباب ، لأنّ ما يوجب إثبات الخاطر يوجب كونه مفيدا لأمور تنبّه عليها. ومنها ما يفيد لمواضعة أو غيرها ، كالكلام والكتابة والإشارة. وقد علمنا أنّ الإشارة لا مدخل لها في هذا الباب لأنّها لا تفيد ، بالاضطرار إلى قصد المشير ، ويختلف حالها بحسب فاعلها ومن قصد بها ؛ وذلك لا يتأتّى إلّا مع المشاهدة لها على الوجوه التي تقع عليها. فأمّا الكتابة ، فإنّما تفيد بأن تشاهد صورتها ، فتعرف بها حال الكلام التي هي
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
