الإنسان عمّا فعله إلّا بالندم عليه والعزم على ترك معاودته ، وما يتوب الإنسان منه إمّا أن يكون فعلا قبيحا وإمّا أن يكون إخلالا بواجب ، فالتوبة من الفعل القبيح هي أن يندم عليه ويعزم أن لا يعود إلى مثله ، وعزمه على ذلك هو كراهيته لفعله ، والتوبة من الإخلال بالواجب هي أن يندم على إخلاله بالواجب ويعزم على أداء الواجب فيما بعد. فأمّا القول في أنّ التوبة تسقط العذاب ، فعندنا أنّ العقل يقتضي قبح العقاب بعد التوبة ، وخالف أكثر المرجئة في ذلك من الإماميّة وغيرهم ، واحتجّ أصحابنا بقبح عقوبة المسيء إلينا بعد ندمه واعتذاره وتنصّله والعلم بصدقه والعلم بأنّه عازم على أن لا يعود (أ ، ش ٤ ، ٤٦٨ ، ١٨)
ـ أمّا القول في صفات التوبة وشروطها فإنّها على ضربين : أحدهما يعمّ كل توبة ، والآخر يختلف بحسب اختلاف ما يتاب منه. فالأوّل هو الندم والعزم على ترك المعاودة ، وأمّا الضرب الثاني فهو أنّ ما يتوب منه المكلّف إمّا أن يكون فعلا أو إخلالا بواجب ، فإن كان فعلا قبيحا وجب عند الشيخ أبي هاشم رحمهالله أن يندم عليه لأنّه قبيح ، وأن يكره معاودة مثله لأنّه قبيح ، وإن كان إخلالا بواجب وجب عليه عنده أن يندم عليه لأنّه إخلال بواجب ، وأن يعزم على فعل مثل ما أخلّ به لأنّه واجب ، فإن ندم خوف النار فقط أو شوقا إلى الجنّة فقط أو لأنّ القبيح الذي فعله يضرّ ببدنه ، توبة كانت صحيحة ، وإن ندم على القبيح لقبحه ولخوف النار وكان لو انفرد قبحه ندم عليه فإنّ توبته تكون صحيحة ، وإن كان لو انفرد القبح لم يندم عليه فإنّه لا تكون توبته صحيحة عنده. والخلاف فيه مع الشيخ أبي علي وغيره من الشيوخ رحمهمالله وإنّما اختار أبو هاشم هذا القول لأنّ التوبة تجري مجرى الاعتذار بيننا ، ومعلوم أنّ الواحد منّا لو أساء إلى غيره ثم ندم على إساءته إليه واعتذر منها خوفا من معاقبته له عليها أو من معاقبة السلطان ، حتى لو أمّن العقوبة لما اعتذر ولا ندم بل كان يواصل الإساءة ، فإنّه لا يسقط ذمّه ، فكذلك التوبة خوف النار لا لقبح الفعل (أ ، ش ٤ ، ٤٦٩ ، ٣)
ـ قال أصحابنا : وللتوبة شروط أخر تختلف بحسب اختلاف المعاصي ، وذلك أنّ ما يتوب منه المكلّف إمّا أن يكون فيه لآدمي حق أو لا حق فيه لآدمي ، فما ليس للآدمي فيه حق فنحو ترك الصلاة ، فإنّه لا يجب فيه إلّا الندم والعزم على ما قدّمنا ، وما لآدمي فيه حق على ضربين أحدهما أن يكون جناية عليه في نفسه أو أعضائه أو ماله أو دينه ، والآخر أن لا يكون جناية عليه في شيء من ذلك. فما كان جناية عليه في نفسه وأعضائه أو ماله فالواجب فيه الندم والعزم وأن يشرع في تسليم بدل ما أتلف ، فإن لم يتمكّن من ذلك لفقر أو غيره عزم على ذلك إذا تمكّن منه ، فإن مات قبل التمكّن لم يكن من أهل العقاب ، وإن جنى عليه في دينه بأن يكون قد أضلّه بشبهة استزلّه بها فالواجب عليه مع الندم والعزم والاجتهاد في حلّ شبهته من نفسه ، فإن لم يتمكّن من الاجتماع به عزم على ذلك إذا تمكّن ، فإن مات قبل التمكّن أو تمكّن منه واجتهد في حلّ الشبهة فلم تنحلّ من نفس ذلك الضال فلا عقاب عليه لأنّه قد استفرغ جهده ، فإن كانت المعصية غير جناية نحو أن يغتابه أو يسمع غيبته فإنّه يلزمه الندم والعزم ولا يلزمه أن يستحلّه أو يعتذر إليه لأنّه ليس يلزمه أرش لمن اغتابه ، فيستحلّه
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
