الوجه الثالث ابتداء الخلق وسائر ما خلقه من الحياة والعقل والشهوة والمشتهى ، لأنّ جميع ذلك تفضّل منه تعالى ، وإحسان يستحقّ عليه المدح والشكر ، ولا يصحّ كونه مستحقّا لذلك إلّا وله صفة زائدة على كونه حسنا. ولو انتفى عنه كونه إحسانا لوجب كونه عبثا قبيحا ، فيجب فيما حلّ هذا المحلّ أن يختصّ بصفة زائدة على حسنه تجري مجرى الندب منّا. ومثال الوجه الثاني العقاب ، لأنّه من حيث كان مستحقّا يحسن فعله ، ولا يستحقّ تعالى به المدح والشكر ، فهو إذا بمنزلة المباح منّا. وكذلك القول في إعادة المعاقب ، وسائر ما يفعله تعالى لكي يفعل به العقاب. ومثال الوجه الأول تمكين المكلّف وإثباته ؛ لأنّه تعالى بالتكليف قد التزم فعل ذلك ، فلا بدّ من كونه واجبا ، ولو فعله لا على الوجه الذي يقتضي وجوبه لأدّى ذلك إلى كونه سبحانه مخلّا بالواجب وهذا في أنّه يمتنع عليه بمنزلة فعل القبيح. فعلى هذه الوجوه يجب أن يعتبر القول في أفعاله تعالى (ق ، غ ١١ ، ٦٨ ، ١٤)
ـ ليس من شرط كون المكلّف معرّضا للثواب أن يكون تعالى معرّضا له ؛ كما أنّه ليس من شرط كون الواجب واجبا عليه أن يكون تعالى موجبا له ؛ لأنّه متى حصل المكلّف بالصفة التي قدّمناها أمكنه التوصّل إلى الثواب بالطاعة ، سواء أراد القديم تعالى ذلك منه أم لا. وإنّما يصير تعالى معرّضا له للثواب بالإرادة التي لاولها وما يجري مجراها لم يكن بأن يكون معرّضا له للثواب أولى من العقاب ، لأنّه قد مكّنه من الأمرين على وجه لا مزيّة لأحدهما على الآخر ، فلو كان معرّضا له لأجل التمكين لم يكن أحدهما أولى بذلك من الآخر. وليس له أن يقول : إنّه بنفس التمكين لا يكون معرّضا للثواب ، وإنّما يكون معرّضا لذلك متى أكمل عقله ، وعرف الفرق بين الحسن والقبيح ، وجعل مشتهيا للقبيح ، نافر الطبع عن الحسن الواجب. ومتى كان القديم تعالى جاعلا له بهذه الصفة التي تدعو إلى الواجب كان معرّضا له للثواب دون العقاب ، وإن تمكّن من الأمرين. فإذن قد ثبت أنّ ما به يصير معرّضا به يصير القديم تعالى معرّضا. وفي ذلك إبطال ما ذكرتموه. وذلك لأنّ المكلّف لا يتمكّن في الحقيقة من فعل الطاعة على الوجه الذي يستحقّ به الثواب إلّا وحاله ما ذكرته. فتصير جميع هذه الوجوه بمنزلة التمكين له من الوصول إلى ذلك. وكذلك أيضا فالمعلوم أنّه لا يستحقّ العقاب بالقبيح إلّا إذا كان حاله ما ذكرته ، فصار ذلك في حكم التمكين له من التوصّل إلى الأمرين ، وكلّ فعل صحّ وقوعه على وجهين فإنّما يقع على أحدهما دون الآخر للإرادة على ما نقوله في الخبر وغيره من الأفعال (ق ، غ ١١ ، ١٧٦ ، ١٢)
ـ إنّ تمكينه تعالى المكلّف قد يقع (على) وجهين. أحدهما يكون تعريضا للنفع ، والآخر يكون تعريضا للضرر ، فلا بدّ من معنى يخصّصه بأحد الوجهين ؛ كما قلناه في الخبر وغيره. فلذلك وجب كونه مريدا منه الإيمان ، حتى يكون معرّضا للنفع. وليس كذلك ما سألت عنه من النفع المحض الذي لا يتعقّبه ضرر ؛ لأنّ ذلك يقع على وجه واحد ، فيجب كونه حسنا ، وإن لم تتناوله الإرادة ، وكما يحسن منه ذلك فيجب أن يحسن من غيره أن يجعله بحيث تصل إليه هذه المنافع المحضة ، وإن لم يرد ذلك ، ويكون حسنا
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
