وإنّما يعتبر بكونه ممكّنا في حال الفعل ، وإن أريد بوصفه ـ تعالى ـ بأنّه كلّفه أنّه ألزمه الفعل الشاقّ في الثاني فيجب ألا يوصف بذلك المعدوم. والصحيح عندنا هو الوجه الأول ، وإن لم يبعد ألّا يطلق لما فيه من الإيهام (ق ، غ ١١ ، ٣٦٨ ، ٢٠)
ـ فإن قيل : فما الذي يقتضي التكليف وجوبه على القديم ـ تعالى ـ؟ قيل له : ثلاثة أشياء. منها التمكين لأنّ التمكين بالإقدار وغيره إذا تأخّر عن حال التكليف لم يجز أن يقال إنّ تقدّمه شرط في حسن التكليف. فلا بدّ إذا من القول بأنّ التكليف يقتضي وجوبه عليه. ومنها الألطاف لأنّها تنقسم. فما قارن التكليف يكون تفضّلا ، من حيث كان له ألّا يفعله ـ تعالى ـ بألّا يفعل التكليف معه ولم يتقدّم ما يقتضي وجوبه ، فكما أنّ التكليف تفضّل فكذلك اللّطف المقارن له ، ويفارق التمكين الذي يتقدّم التكليف. فأمّا التمكين الذي يفارق التكليف فالقول فيه كالقول في الألطاف ، وإن ثبت في اللطف ما يجب تقدّمه لحال التكليف حلّ محلّ التمكين في أنّه شرط في حسن التكليف ، وما تأخّر عن حال التكليف فلا بدّ من القول بوجوبه عليه. وسنذكر القول في ذلك في موضعه إن شاء الله. ومنها الثواب لأنّ التكليف يقتضي وجوبه بشرط أن يؤدّي المكلّف ما يجب عليه ولا يحبط ثوابه ، وكلّ ما لا تتمّ هذه الأمور الواجبة إلّا به فلا بدّ من وجوبه ؛ لأنّه قد ثبت أنّ ما لا يصح أداء الواجب إلّا معه على كل وجه فيجب أن يكون واجبا. ولذلك قلنا بوجوب الإعادة إذا أفنى الله ـ سبحانه ـ العالم (ق ، غ ١١ ، ٤٣١ ، ٩)
ـ سنبيّن أنّ من قال من أصحابنا البغداديّين : إنّ التكليف لا يزول عن أهل الآخرة غلّط فيما بعد ، وإن تعلّقهم بأنّه ـ تعالى ـ لا يصحّ أن يضطرّ العباد إلى العلم به ـ سبحانه ـ لاستحالة كونه مدركا ، ولأنّه لو جاز أن يفعل العلم به لغيره لجاز أن يفعل العلم به لنفسه ، لا يصحّ من حيث ثبت أنّ العلوم وإن اختلفت في الحسن فإنّ ذلك غير مؤثّر في كون القادر قادرا على جميعه (ق ، غ ١١ ، ٤٩٤ ، ٢١)
ـ اعلم أنّ الغرض بالتكليف تعريض المكلّف للمنزلة العالية التي لا تنال إلّا به ؛ على ما بيّناه من قبل. وذلك يقتضي انقطاعه ، لأنّه لو دام لم تؤل الحال بالإنسان إلى نيل المنزلة الملتمسة وذلك يوجب قبح التكليف (ق ، غ ١١ ، ٥١٦ ، ١٤)
ـ أمّا أبو عثمان الجاحظ ، رحمهالله ، فإنّه ظنّ لقوة هذه الدواعي من الوجه الذي بيّنا أنّها تقع منه بالطبع ، ويخرج عن باب الاختيار ، فلم يجز دخولها تحت التكليف إلّا عند تساوي الخواطر والدواعي ، فإنّه يجوز عندهما دخول النظر تحت التكليف دون المعرفة. وفي سائر الأحوال يقول بأنّه إنّما كلّف الإرادة دون ما سواها ، لأنّ غلبة الدواعي عليه في الفعل عند الإرادة تخرجه من باب الاختيار إلى باب الطبع. وذكر مع ذلك أكثر الشبه التي أوردناها من قبل ، مستدلّا بها على أنّها ليست من فعل العبد ، ولا يجوز دخولها تحت التكليف. وأكثر من تكلّم في هذا الباب عنه أخذوا ، وببعض ما أورده تعلّقوا (ق ، غ ١٢ ، ٢٣٥ ، ٧)
ـ إن قيل : أتقولون ، في الفعل الذي إنّما يلزمه إذا قدّم قبله النظر والمعرفة : إنّه قد كلّف في الحال ، أو إنّما كلّف بعد الفراغ من المعرفة بأحواله؟ قيل له : إنّ التكليف عنده إذا أريد به
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
